د.حسام فاروق
فى تصورى أن أعظم ميزة من الممكن أن يتعلمها رجل تتلمذ على يد إمرأة سواء فى الحقل الأكاديمى أو العملى - ولقد فزت بالاثنتين- هى أنك كرجل تلتقط بجانب المهارات المعروفة وخبرات العمل مهارات أخرى فى التعامل لا تملكها سوى المرأة وتحديدًا المرأة المصرية، مهارات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بذكائها وإحساسها الذى لا يخيب، الحاسة السادسة فى قراءة المواقف والشخوص، البصيرة فى قراءة النوايا وما وراء العيون، الذكاء المعجون بالأنوثة، الخلطة الربانية الناعمة التى لا تتوفر عند جنس الرجال.
تعلمت من أستاذتى الأولى "مس مريم" - لروحها السلام - مدرسة الفصل فى الصف الأول الابتدائى بإحدى مدارس قرى محافظة الشرقية حب الموسيقى والقراءة، كانت تناقشنى - على صغر حجمى وبساطة مداركى- فى كل شىء، تسمع لى وتصحح، تصك أول مفاهيم ومصطلحات عرفتها فى حياتى، تحدثنى عن عبد الحليم حافظ الذى رحل قبل شهور وكانت أغنياته وحكاياته الحزينة وقتذاك تملأ الراديو والتليفزيون، وصوره تملأ الصحف والمجلات وقتذاك، أذكر أنها أول من أطلعنى على مجلة فى حياتى وكانت مجلة الإذاعة والتليفزيون، كانت تحدثنى عن القراءة والرسم ونحن فى قرية نائية لا يعرف أهلها سبيلا لأى ما تحدثنى فيه "مس مريم"، فلم يكن حتى بها وقتذاك مركزا للشباب أو أى مكان يعتنى بتنمية المواهب، "مس مريم" الجميلة المقبلة من المدينة، كانت أقرب إلى القديسات كان عطرها يدلنى فى الطرقات هل هى موجودة أم غائبة لظروف المطر، أو لظروف المواصلات من مدينتها الصاخبة لقريتنا الصغيرة، أذكر أننى طلبت من والدى رحمه الله أن يحضر لى ورود من أحد البساتين بقرية مجاورة لقريتنا لأعطيها لـ "مس مريم" فى عيد الميلاد وأذكر فرحتها بأننى الصغير صاحب الست سنوات احتفلت معها بالعيد، وحين غادرت المدرسة للأبد عائدة إلى مدينتها، والله لم أنس دموعها وأذكر أننى انقطعت عن الذهاب للمدرسة أسبوع كامل فلم أكن أتخيل شكل الفصل الدراسى بدونها و طرقات المدرسة دون عطرها الأخاذ.
كبرت أنا وكبرت أحلامى وكبرت معها كل كلمة تحدثت فيها مع "مس مريم" عن الموسيقى والرسم وعبد الحليم حافظ والأغنيات التى لم تكتمل، وظلت مس مريم نفسها من يوم رحيلها عن المدرسة أغنية لم تكتمل، فتشت عنها فى دفاتر الأيام ظللت لفترة من الزمن أتقصى أخبارها رغم صعوبة التواصل، وكنت فى الصف الثانى الثانوى، حين علمت برحيلها من خبر بصحيفة المحافظة الإقليمية عنوان عن قداس فى كنيسة لروح قديسة علمتنى ولم أملك أن أودعها، سافرت مثلما قال عبدالحليم حافظ بدون وداع.
كانت هذه البداية من "مس مريم"، ولا أبالغ أن فى حياة الكثيرين أمثالى مس مريم بدأت أول خطوط فى صفحاتهم البيضاء رسمت أول قلب وشجرة، ضربت على أول أوكسيليفون فى نوتة أسماعهم البكر.
المفارقة العجيبة أننى مثلما بدأت أول مراحلى التعليمية بـ"مس مريم" فى الابتدائية، قابلت فى الجامعة وفى حياتى العملية بعد ذلك أكثر من "مس مريم"، ففى الجامعة التقيت نماذج من أستاذاتى الجليلات ساهمن بقدر كبير فى تشكيل ثقافتى وأسلوبى ولغتى و طريقة تفكيرى علمونى كيف أمنطق الأشياء بالعلم والحجة، وكانت أول "مس مريم" فى مرحلة الجامعة أستاذتى الفاضلة الدكتورة أمانى خضير التى درست لى العلوم السياسية فى جامعة قناة السويس وكانت مشرفة على رسالتى للماجستير والدكتوراه فى العلوم السياسية، صاحبة العقل الجميل، والأخلاق الرفيعة، إبنة الأصول، تعلمت منها أن كل شىء قابل للتفكير وإعمال العقل علمتنى فضيلة عظيمة وهى أن المعلم مسؤول عن تلميذه فى كل شىء لا يتركه ولا يخذله.
وبعد دخولى مجال الصحافة والإعلام كان من حسن حظى أن كل من تتلمذت على يديهم فى هذا المجال من جنس "مس مريم"، التقيت 3 من النساء الفضليات لسن ككل النساء، لكل واحدة منهن سنين فى عمرى وركن ركين فى شخصيتى، الأولى أستاذتى الكاتبة الصحفية والناقدة الكبيرة ماجدة موريس أول من علمنى كيف أكتب جملة صحفية و علمتنى عظمة المقولة الرشيدة أن فى البدء كانت الكلمة وأن الكلمة نور وأمانة، ورسمت لى طريق مهنى امتزجت فيه القيمة الأخلاقية مع التفوق المهنى، ثم كانت أستاذتى الكاتبة والناقدة السينمائية العظيمة الأستاذة خيرية البشلاوى، علمتنى أهم درس فى حياتى وهو أنك إن تصطدم فى الحق ومن أجل الحق فهذه فضيلة لا يملكها إلا الأقوياء وكانت تقول لى جملة ما تزال ترن فى أذنى وستظل وهى أن من ليس له أعداء فهو إنسان على الهامش، وأعظم ما فى أستاذتى خيرية البشلاوى هو أنها كبيرة فى كل شىء، كانت حتى فى جملها الصغيرة كبيرة، نهر لا ينضب من معارف شتى نهلت منه وما أزال، وفى قمة عنفوانها وحدتها تملك قلب طفل رقيق حاضر الدمع جاهز للتذكر، باك على أيام حسان قد ولت.
وكان ختام التجربة بثمان سنوات متواصلة لسن ككل سنوات عمرى هن خلاصة التجربة مع أستاذتى الرائعة الكاتبة "المجيدة" بكل ما تحمله الكلمة إنها منى نشأت، تلك المرأة الحديدة الناعمة وهى فى أشد لحظات قسوتها، فمن منى نشأت نشأ بداخلى حكمة من نوع آخر بتوقيع حواء الذى لا يتطابق مع أى توقيع آخر، تعلمت أن إدارة المعارك الحياتية والمهنية فن وأن "اللى يبص لفوق يفرح"، وعن جملتها الصحفية فحدث ولا حرج عن كل فنون المراوغة الجذابة وقصف الجبهات، كنت أتعجب كيف لها أن تطوع الكلمات التى نتداولها بكثرة وتستخدمها لتبدو كما أنها لم تستخدم من قبل، فمعظم عناوينى هى حوارات من السنوات الثمانية ، فمن أستاذتى منى نشأت تعلمت أن الجملة الصحفية فى المقال مخلوق من روح ودم ومشاعر، يجب أن تكرم كل حرف فيها لتخرج مخلوقًا عظيمًا يحسه القارئ.
و فى مجال الإعلام لا ولم أنس أبدا ما حييت ما تعلمته من أستاذتى النبيلة ومعلمتى الرقيقة المذيعة "الشيك"، الراقية "الأميرة "سوزان حسن رئيسة التليفزيون المصرى الأسبق، التقيتها وهى نائب لرئيس القناة الأولى بالتليفزيون، وتوطدت صداقتنا حتى وصولها إلى مقعد رئيس التليفزيون، كانت مدام سوزان وما تزال بهية الطلة، قلب وعقل وجمال، فى صورة إنسان، أهم ما تعلمته من مدام سوزان هو أنها تخاطب الإنسان بداخلك وتبرع دائمًا فى تبادل الأدوار مع من تتعامل، وربما هذه ميزة ارتبطت بها كونها مذيعة مرموقة، كانت لا تحكم على موقف إلا إذا وضعت نفسها مكان الشخوص أبطال هذا الموقف وتقول جملتها "لو كنت مكانك كنت هأعمل كذا".
حفظ الله أستاذتى الدكتورة أمانى خضير، وأطال الله فى أعمار أستاذاتى الفضليات ماجدة موريس وخيرية البشلاوى ومنى نشأت وسوزان حسن.
واليوم ونحن نحتفل بيوم المرأة المصرية (16 مارس) الذى يوثق لنضالها فى خدمة وطنها، وددت هنا أن أوثق لمدائن نور سكن حياتى، وحتى لا أنسى فأنا إبن أم كانت وما زالت منطقة قوة ألجأ إليها كلما أوشك رصيد الصبر على النفاذ، حفظ الله المرأة المصرية ورحم الله "مس مريم".