البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
قد نختلف فى الرأى وهذا وارد، لكننا أبدا لا نختلف على الوطن، قد لا يعجبنى أداءك فى موقعك، وهذا حقى وقد لا تعير كلامى هذا اهتماما وهذا حقك ولك مطلق الحرية، طالما ظل اختلافنا فى سياق الاحترام المتبادل.

لكن أنا وأنت يعجبنا الوطن أو هكذا ينبغى أن يكون، فالوطن تاج على رؤوسنا جميعا نعيش فى كنفه ونحمل فى هويتنا اسمه ونفخر ونتباهى به وعلينا أن نقف فى وجه كل من تسول له نفسه الإضرار بوطننا وبأمننا، هذه عقيدة نتفق عليها قبل الدخول فى تفاصيل ما سنتحدث عنه وهو الوطنية والمهنية فى الإعلام والرابط بينهما.

فى رأيى أن مصطلح "وطنية الإعلام" أو وطنية أى عمل آخر فى أى مجال تحت مظلة الوطن الكبير تنطلق من فرضية ثابتة هى أن كل المؤسسات والأشخاص يجب أن تتبنى نهجا وطنيا فى القيام بأدوارها وأعمالها على اختلافها، فمن غير الوارد مثلا أن تجد داخل أى مؤسسة فى الدولة نهجا ينادى بالتخلى عن الوطنية أوالإقلال منها تحت أى مسمى!.

 فكلنا يجب أن نتحلى بالوطنية، وبالتطبيق على الإعلام أعتقد أنه من المفترض أن تكون جميع وسائل الإعلام التابعة للوطن وطنية، وتتناغم مع سياساته وتوجهاته وآماله وطموحاته، وأى إعلام يغرد خارج هذا السرب فلا حاجة لنا به، وليس معنى هذا أننى أطالب بالتضييق على الرأى الآخر أو بحظر الاختلاف فى الرأى، فهناك فرق كبير بين أن تختلف معى فى الرأى وهدفنا واحد هو مصلحة الوطن، وبين من يختلف ومن خلفه أجندة عدائية، فالأخير وجوده خطر على الوطن والمواطن.

وفى الحالة المصرية لا ننكر أن الإعلام المصرى قبيل ثورة  30 يونيو وقف وقفة سيخلدها التاريخ فى وجه محاولات تشويه الهوية القومية للدولة، وتفكيك مفاصلها من قبل جماعة إرهابية فاشية كانت ستهوى بالوطن قرونا سحيقة للوراء.

الإعلام الوطنى فى رأيى يشير إلى درجة من الدقة والإتقان ينتقل فيها صانع الإعلام من الوضع العام الثابت "وطنية الإعلام" إلى درجة أكثر مسئولية ومهنية وهى ما يشار إليها بـ "الإعلام الوطنى الفعال"، وهذا ما نسعى إليه أو بالأحرى ما نطالب به دائما وهنا نأتى لنقطة الخلاف بين البعض، فهناك من الباحثين والأكاديميين فى مجال الإعلام من يرون أن  وطنية الإعلام و"الإعلامى" ليست كافية للوصول إلى إعلام مهنى، ويستند أصحاب هذا الرأى إلى مقولة أننا كلنا وطنيون أو ينبغى أن نكون وطنيين لكن هل معنى ذلك أننا كلنا نصلح أن نكون إعلاميين؟.. الإجابة قطعا "لا"، فالإعلام علم له نظرياته وقواعده، ومهنة لها ضوابطها ومقاييسها، ولو أن شخصا وطنيا "محترما" قرر أن يعمل فى الإعلام فعليه أن يجيد هذه المهنة ويملك أدواتها حتى يقدم إعلاما وطنيا مؤثرا يخدم به وطنه، فمن حُب الوطن أن تفعل ما تجيده وتترك لغيرك ما يجيده، "فكلُّ مُفضلُ و مُفضلُ عليه"، وأولئك الذين يرون أنفسهم يصلحون لكل شىء هم أكثر ضررا بالوطن من غيرهم.

من ضمن أبرز مهام الإعلام الوطنى بناء سمعة الوطن والحفاظ عليها والدفاع عنها، خاصة خلال الهجمات التى لا تتوقف ومواجهة الإعلام المعادى وتفكيك خطابه بالعلم والحجة، وتفنيد أكاذيبه وتبنى محله الصورة الحقيقية وفضح المؤامرات التى تستهدف وطننا عبر خطاب إعلامى نقدى رصين شكلا ومضمونا، وإيصال رسالة الوطن محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، وتشكيل الرأى العام وتسليط الضوء على التحديات والإنجازات، ومواكبة النجاحات ودعم التوجهات الوطنية فى جميع المجالات العلمية والثقافية والاقتصادية والمجتمعية، وتقديم صورة عن الوطن لغير العارفين بها، وبذلك يصبح للوطن ظهير إعلامى، و كل ما سبق لن يتوفر إلا بوجود إعلام وطنى مهنى على أعلى مستوى وإعلاميين محترفين قبل أن يكونوا وطنيين، فالاحتراف والمهنية مطلوبين لأننا ندخل ساحة تنافس لا سيما أن الإعلام المعادى يبرع فى نشر الأكاذيب، ويطور من أساليبه ويتفنن فى فبركة المعلومات الزائفة، مستفيد من سرعة انتشار الشائعات عبر الفضاء الرقمى، ولا ينبغى على الخصم أن يمسك أخطاء على حامل الرسالة الإعلامية، فنقاط ضعف الإعلامى قد تتسبب فى خسارته للجولة رغم أنه قد يكون وطنيا شريفا عاشقا لوطنه، لكنه مع الأسف لا يملك بعض أدواته.

ولو أن ناقل الرسالة الإعلامية على قدر من المهنية والعلم والانضباط وتنطبق عليه مواصفات الإعلامى المحترف فإنه يستطيع بسهولة إقناع المتلقى وستكون له المصداقية التى تجعله بقليل من الجهد يحقق الهدف، فإيجابية رسائله تنبع من إيجابية شخصيته واتساق مواقفه مع مبادئه ومهاراته فى كشف الحقائق، والتبصير، والتوعية، والتثقيف، والتنوير بالقضايا المهمة فى الوطن والتطورات الجارية فيها، وتعزيز صورة الوطن وسياساته داخلياً وخارجياً، وبذلك يتجاوز الإعلام الوطنى التعريف التقليدى لوطنية الإعلام إلى الإعلام الوطنى الفعال.

ومن ثم  نرى أن توجيه النقد للإعلاميين أمر مطلوب طالما كان فى صالح الوطن ورغبة فى التطوير وفى حدود القواعد المهنية، وفى ظل الاحترام وعدم الافتراء ودونما إساءة للناس و"شخصنة" للأمور.

وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة الفصل بين وطنية الإعلامى وبين إمكانياته ومهاراته وأدواته، فالثابت أن يكون الإعلامى وطنيا ثم نناقش بعد ذلك مدى ملاءمته للدور الذى يقوم به وهل ينجح فى مهمته أم لا.

فى عصر الاجتياح التكنولوجى الرهيب لمجال الإعلام بات الاهتمام بالتدريب والتأهيل المتخصص للإعلاميين ضروريا، فى ظل ما تواجهه مصر من حروب دعائية بغيضة أُنفقت عليها المليارات وأدارتها أجهزة استخبارات دولية، وأرى أن الساحة الإعلامية المصرية الآن مازالت فى حاجة إلى  جيل جديد من الإعلاميين الوطنيين المحترفين بجانب العناصر الجيدة من الجيل الموجود حاليا وفيه بلا شك نماذج تحترم فى وطنيتها ومهنيتها وينبغى عليهم تقديم الدعم والعون للجيل الجديد.

يجب أن نعلم أولادنا - من صلح منهم للعمل فى الإعلام-  كيف يكونوا مؤثرين بدلا من أن نبحث لهم عن سند يمررهم "بالواسطة" ليظهروا بوجوههم على الشاشات أو يصرخون بأصواتهم فى الإذاعات وهم لا يصلحوا فى الأساس للعمل فى الإعلام، فلو فتشت فى داخلهم ستجد بالتأكيد مهارات تليق بمهن أخرى غير الإعلام على نفس الدرجة من الوطنية، وهذا يقودنا إلى التأكيد على أن الإعلان عن الوطنية وحده لا يكفى لخدمة الوطن، فالفرد يخدم وطنه حينما يكون وطنيا مؤثرا فى مجتمعه ولن يكون مؤثرا مالم يتقن عمله، وفى الإعلام تحديدا يجب أن ينطلق الإعلام الوطنى من قاعدة مهنية سليمة تنتج إعلاميا قادرا على أداء مهمته بكل اقتدار.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز