البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
قال خبراء الإنقاذ البحرى فى العالم، إن عملية تعويم السفينة "إيفر جيفين" التى جنحت فى قناة السويس خلال بضعة أيام أمر فى حكم المستحيل، ومعظمهم رجَّح سيناريو تخفيف حمولة السفينة، والتى تقدر بـ 18 ألف حاوية، ويصل وزنها إلى 223 ألف طن، وهو ما سيتطلب الكثير من الوقت والجهد والمعدات، ولم يخل بحال من الأحوال من المخاطر على سلامة السفينة.

كان هناك سيناريو أكثر تشاؤما بأن الوضع قد يزداد تأزما فى الممر الملاحى الأهم عالميا لو أصيبت السفينة بأى أذى، كان الأمر وفقاً لأوقع التقديرات العالمية قد يستغرق قرابة الثلاث شهور، بيد أن رجال مصر فعلوها فى 6 أيام فقط بأيادٍ وخبرات ومعدات مصرية، ودونما تفريغ لحمولة السفينة، ودونما تسريب لأى مواد بترولية.

إنجاز سيُسطر فى تاريخ البحرية العالمية، هذا ما يقال الآن من وسائل الإعلام الدولية، لكن بالرجوع ساعات قليلة للوراء قبيل تعويم السفينة ستجد الصورة فى بعض وسائل الإعلام العالمية لم تكن بهذه الدرجة من العدل والانضباط، فمع الأسف كانت هناك حالة من تصيد الأخطاء للدولة المصرية، ومحاولات خبيثة لتصدير تهمة التقصير لهيئة قناة السويس وللحكومة المصرية وإظهارها كما لو كانت المتسبب فى الأزمة، رغم أن مصر تضررت كثيرا مما حدث، وهناك تحقيقات تجرى ستكشف عن الأسباب الحقيقية التى أدت إلى جنوح السفينة، ووقتها سيكون الحديث مختلفاً، وقد تكون هناك مفاجآت.

تحدثت بعض وكالات الأنباء والصحف والقنوات التليفزيونية الأجنبية مشككة فى قدرات هيئة قناة السويس ورجالها فى التعامل مع الأزمة، بل وفى استعدادها من الأساس لأزمة كهذه، ونال قناة السويس الجديدة أيضا قدر من التهكم والسخرية والتشكيك فى جدواها وعمدت بعض الوسائل على ذكرها باسم "التفريعة الجديدة" رغم أن السفينة لم تجنح فى قناة السويس الجديدة ولو كان هذا حدث لما كانت هناك أزمة من الأساس، حيث كانت حركة السفن ستستمر فى الاتجاة الثانى، ولكن السفينة جنحت فى المدخل الجنوبى للقناة.

قطاع من الإعلام الدولى تجاهل تماماً السفينة وحجمها وحمولتها، وما إذا كان قد حدث فيها أعطال أو أخطاء بشرية وتفرغ لهيئة قناة السويس ولمصر يكيل الاتهامات وفى لغة خبيثة كان هناك حديث متوازٍ لم يخل من التحريض، والمطالبة بضرورة تدخل دولى لحل الأزمة، لما لقناة السويس من أهمية فى التجارة العالمية.

وما إن نجحت الجهود المصرية، وبدأت السفينة فى التحرك انكشفت نوايا هذا الإعلام، نصف ساعة فقط  كانت كفيلة بكشف وفضح صناع الشائعات، ودعاة الفتنة الكارهين لمصر، فخلال الـ30 دقيقة التالية لبدء حلحلة السفينة من مكانها طلت وكالة رويترز البريطانية "العريقة" فى المشهد لتقول إن السفينة الجانحة فى قناة السويس عادت إلى مكانها مرة أخرى بعد تعويمها، ومن رويترز انتقل الخبر عبر بعض وسائل الإعلام الدولية دونما تدقيق لينتشر كالنار فى الهشيم مصحوبا فى بعض الوسائل بقصص خبرية ملفقة ورويات كاذبة لا تخلو من التسييس، وتحركت لجان جماعة الإخوان الإرهابية على وسائل التواصل الاجتماعى لتكتب بحبر الشماتة وحروف الشر عن فشل إدارة القناة فى تحريك السفينة، وأن إعلانها فجر الإثنين عن نجاح المهمة كان كاذبًا، وكانت الدقائق تمضى والسفينة تتحرك بنجاح إلى البحيرات المرة والعالم كله ينقل على الهواء حركة السفينة فى القناة بينما تبقى رويترز ومن نقل عنها متعمدا فى ضلالهم دونما حياء أو خجل من هذا الخطأ المهنى الفاضح. 

عكست أزمة جنوح سفينة الحاويات العملاقة "إيفر جيفن"، تعمد بعض الإعلام الدولى ومنه وسائل ذائعة الصيت كوكالة رويترز الترويج للكذب وعدم  نقل الحقيقة، وهذا يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن فكرة الحياد فى الإعلام مجرد وهم، فلا تنخدع فى الأسماء الرنانة لوسائل الإعلام فهى تقع فى أخطاء قد تصل إلى الفضيحة، والمتابع لوكالة رويترز فى تغطيتها للشأن المصرى على مدار السنوات القليلة الماضية يجد أن هذه ليست الواقعة الأولى التى تكذب فيها رويترز وهى تغطى الشأن المصرى، بل سبقتها وقائع كثيرة كان أشهرها واقعة الحادث الإرهابى فى طريق الواحات فى 20 أكتوبر 2017 عندما نشرت الوكالة أن هناك 53 قتيلا فى صفوف الشرطة المصرية جراء معركة مع من وصفتهم بالمتشددين.

والحقيقة أن الحادث أسفر عن 16 شهيدا من رجال الشرطة وأسير واحد تم تحريره بعد ساعات من الحادث الذى واجهت فيه الشرطة المصرية مجموعة من الإرهابيين المجرمين وليس المتشددين مثلما وصفتهم رويترز، فى حين لم تخبرنا رويترز وقتها عن مصير الـ37 قتيلا المختفين، وهو العدد الفارق بين روايتها الكاذبة، والرواية الرسمية.

مثل هذا السلوك المهنى من الإعلام يثير البلبلة لدى الرأى العام الداخلى والخارجى، ويمنح المجال للمتربصين لمصر كى ينشروا رواياتهم منطلقين من إعلام يكتسب مع الأسف سمعة دولية ويخدمهم  للاستفادة من الأزمات فى تصفية حسابات سياسية.

وتؤكد هذه الواقعة مجددًا أن بعض وسائل الإعلام الدولية فى حاجة عاجلة لمراجعة طريقتها فى تناول الشأن المصرى، من خلال التدقيق فيما يتم نشره، لاسيما أن هذه الواقعة كما ذكرنا ليست الأولى بل هناك مئات الوقائع والأخبار الكاذبة التى يتم ترويجها عن مصر.

الإعلام المصرى بذل جهدًا يُقدر فى هذه الأزمة، على صعيد المتابعة والتغطية الخبرية، ولكن الآن وبعد نجاح الجهود المصرية في حل الأزمة، انتظر أن يكون الرد من جانب إعلامنا قاسياً على هؤلاء الكاذبين الذين تصيدوا فى الأزمة، وأتصور أن يكون الدرس عبارة عن توثيق إعلامى علمى دقيق للأزمة من بدايتها إلى نهايتها، كيف كانت صعبة؟ وكيف تغلب المصريون عليها؟.. فلو أن دولة مثل بريطانيا التى تنطلق منها رويترز مثلا وقعت فى أزمة مشابهة لملأ إعلامها الدنيا ضجيجا بما فعلوا ولأمطرونا بأفلام تسجيلية ولدشن حملات مسموعة ومرئية ومكتوبة ترويجاً للإنجاز.

ينبغى علينا أن ننقل للعالم ماذا جرى منذ الدقيقة الأولى التى جنحت فيها السفينة وحتى خروجها من المياه المصرية؟.. ينبغى أن نتحدث فى التفاصيل الدقيقة التى تظهر رجال هيئة قناة السويس على اختلاف تخصصاتهم وهم يتعاملون مع الأزمة والمعدات المصرية وعمليات التكريك وآلاف الأطنان من الرمال التى حفرت عند مقدمة السفينة ومدى صعوبة ذلك لكون التربة صخرية فى تلك المنطقة، وسباق الزمن لحل الأزمة، كما يجب نقل آراء الخبراء العالميين فى هذا المجال حول ما جرى فى الأيام الـ6، وكيف يُقيَّم النجاح بالمعايير الدولية على أن يُنقل ذلك للعالم بكل اللغات.

حدثوا العالم عن مصر، وإرادة رجالها، فما تم وُصف بأنه أهم عملية إنقاذ فى تاريخ البحرية العالمية، ولهؤلاء الذين تحدثوا باستفاضة عن جنوح السفينة وهول الكارثة وتأثيرها السلبى على حركة الملاحة الدولية فى القناة وعظم الخسائر  ومعدل التأخير فى حركة البواخر وعدد المتوقف من السفن  فى الانتظار وسواد السواد.

علينا أن نخبرهم  كيف قطعنا الطريق على من أراد لنا شرا وشككك فى قدراتنا، وبأيدينا صنعنا المستحيل وبأيدينا حرَّكنا السفينة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز