د.حسام فاروق
وليس خافيًا أن أزمة سد النهضة منذ اندلاعها فى أبريل 2011 تسببت فى وجود هذا النوع من الحرب الدعائية، ازدادت سخونتها مع مرور السنين حتى وصلت إلى عامها العاشر، خصوصًا فى ظل تعقد الأزمة ووصولها منطقة خطرة بفعل التعنت الإثيوبى.
صاحب هذا التعنت خطاب سياسى عدائى صادر عن بعض المسؤولين الإثيوبيين عبر الإعلام خلال الأيام القليلة الماضية ينم عن تضليل متعمد بهدف الابتزاز السياسى، والأسبوع الماضى شاهدت مقابلة تليفزيونية عبر الأقمار الاصطناعية على قناة "روسيا اليوم" تحدث فيها شخص إثيوبى اسمه ياسين أحمد بعقاى، قُدم على أنه رئيس المعهد الأثيوبى للدبلوماسية الشعبية، وهو مؤسسة تعليمية إثيوبية.
هذا الرجل قال صراحة إن إثيوبيا لا تعترف بحصة مصر فى مياه النيل وفقًا لاتفاقية 1959 وتريد إلغائها، بل وقال إن القانون الدولى فى صف إثيوبيا ولا يعترف باتفاقية 1959، والأخطر أن المذكور قال نصًا: لو أرادت مصر الإبقاء على ما تسميه حصتها فى مياه النيل فعليها أن تدفع فاتورة وتستثمر فى إثيوبيا، فلا شىء تعطيه إثيوبيا لمصر بالمجان.
ما قاله "بعقاى" لا يختلف عما قاله صراحة دينا مفتى، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية - قبل أن يتراجع عنه - وهو أن ما يتبقى من المياه بعد ملء السد ستبيعه إثيوبيا لمصر والسودان، وبالطبع فالمسؤولين الصغار والكبار فى إثيوبيا حينما يتحدثون للإعلام فهم يلتزمون بالخطاب السياسى الرسمى فى بلادهم والذى لا يختلف بأى حال من الأحوال عما يتفوهون به، خطاب سياسى مستفز وابتزاز غير مقبول على مسمع ومرأى من العالم.
بعد مرور أكثر من 10 سنوات من التفاوض بين مصر والسودان من جانب وإثيوبيا من الجانب الآخر، وصبر دولتى المصب من أجل الوصول لاتفاق يضمن عدم الاعتداء على حقوقهما، أعتقد أن العالم كله يدرك الآن أن إثيوبيا لا تريد حل لأزمة سد النهضة، ونواياها باتت واضحة وتعلنها أمام الجميع ضاربة بكل المعاهدات الدولية والأعراف عرض الحائط - مثلما قال رئيس معهد الدبلوماسية الشعبية بأن إثيوبيا لا تعترف باتفاقية عام 1959- وترفض الوساطة الدولية أو وجود خبراء دوليين.
وسبق وعرضت الولايات المتحدة والبنك الدولى، بالإضافة إلى روسيا قبول الوساطة، لكن أديس أبابا تتمسك بالرفض وتدعى أن السد على أراضى إثيوبية، ولا يحق لأحد التدخل وعليكم تقبل الأمر الواقع، رفض إثيوبيا الوساطة الدولية فى رأيى يرجع لعدة أسباب أجملها فى ثلاثة: الأول أن رفض المقترحات التى سوف يعرضها الوسيط الدولى سوف يضعها فى حرج خصوصًا وأن الوساطات الدولية لن تخرج عن الدول والمنظمات الكبرى، والحكومة الإثيوبية لا ترغب فى مواجهة مع الدول الكبرى.
والسبب الثانى أن الطرف الدولى ليست له مصلحة وسوف يحظى بثقة من المجتمع الدولى والمنظمات الدولية، وهو ما تسعى إثيوبيا للتهرب منه، أما عن إصرار أديس أبابا على أن يكون الاتحاد الأفريقى منفردًا هو الوسيط للحل فيرجع إلى معرفة إثيوبيا بافتقاد الاتحاد الإفريقى لوسائل الضغط المؤثرة على قراراتها.
السبب الثالث أن الطرف الدولى كان سيطرح الحلول الوسط التى تنهى النزاع من أول جلسة وتُرضى جميع الأطراف بالقانون، وتضمن لدول المصب عدم التأثر بعمليات الملء أو التشغيل، طبقا لمبدأ لا ضرر ولا ضرار، لكن إثيوبيا لم يكن ليرضيها هذا، وتسعى إثيوبيا للتنصل منه.
وللأسباب السابقة انسحبت أديس أبابا مرتين من الوساطة الدولية، الأولى فى 2014 بتشكيل لجنة ثلاثية من الدول الثلاث، والثانية برعاية أمريكية عام 2019، بعد توقيع القاهرة على وثيقة واشنطن والتى تم التوصل فيها إلى اتفاق بنسبة 90% وتبقى آلية الملء فى فترات الجفاف وآلية فض المنازعات وهو ما لم يتم التوصل لاتفاق فيها، بالإضافة إلى أن المفاوضين الإثيوبيين يبحثون أمور عديدة ثم يتعنتوا لإفشال المفاوضات، ومن ثم فإثيوبيا لا تريد تدويل القضية ليظل لديها "الفيتو" فى المفاوضات وترغب فى استمرار التفاوض بين الأطراف الثلاثة فقط من باب المماطلة ومن أجل التفاوض حتى الانتهاء من عملية الملء.
ومن الأمور المهمة فى عملية التفاوض أيضًا آلية فض المنازعات لأنها بالتأكيد منطقة خلاف، إثيوبيا ترفض أى اتفاق قانونى ملزم يحكم هذه الآلية تحت رعاية دولية، وتريد لجنة من الدول الثلاث لحل الخلافات وإذا فشلت فليذهب الأمر إلى الوزراء وإذا فشلوا يتدخل الرؤساء وفى حال الفشل تظل الأمور كما هى، أديس أبابا ترغب فى السيطرة على النيل الأزرق.
موقف مصر فى هذا الملف واضح وصريح وهو عدم المساس بحصتها التاريخية فى مياه النيل لاسيما أن تقرير اللجنة الاستشارية الذى لجأت إليه الدول الثلاث فى 2013 عبر المكاتب الاستشارية انتهى إلى وجود أضرار جسيمة على مصر والسودان أبرزها نقص المياه والآثار البيئية بخلاف الشكوى من عدم توافر المعلومات حول سلامة إنشاءات السد، وأبدت مصر خلال المفاوضات على مدار عشر سنوات مرونة كبيرة ومراعاة للمصالح الإثيوبية وتحقيق مصالح الدول الثلاث دون الإضرار بدولتى المصب، لكن التعنت الإثيوبى بسلسلة من المواقف غير المفهومة، يعنى أنه لا نية لديها فى الحل ما قد يضطر معه دولتا المصب إلى التوجه بمسار القضية للمستوى الدولى ومجلس الأمن والأمم المتحدة.
قضية المياه أمر وجودى لدولتى المصب ولا يمكن قبول أن يتخذ أى طرف من الأطراف إجراءات أحادية، وبعد سنوات من اللجوء إلى الدبلوماسية، والرهان على الوساطات الإفريقية والأمريكية التى انهارت جميعًا أمام العناد الإثيوبى يبدو أن إثيوبيا تكسب الوقت، وتصعد من خطواتها فلم يبق إلا شهرين تقريبًا على موعد المرحلة الثانية من بدء ملء خزّانات السّد، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن المائى لمِصر والسودان.
بعيدًا عن الخطاب الإعلامى المستفز من قبل أشخاص محسوبين على السياسة الإثيوبية وما يعقب هذا الخطاب من ردود أفعال غاضبة فى الفضاء الإعلامى المصرى، فلا أظن أن السياسات العامة تتأثر بمثل هذه السجالات التليفزيونية وأطروحات "السوشيال ميديا"، فصانع القرار يعلم جيدا ما يريده وكيف ومتى يحصل عليه.
مِن الصّعب التنبؤ بدقة بما يمكن أن تحمله الأيام والأسابيع المُقبلة من مفاجآت فى هذا الملف الشائك، مصر والسودان توصلاً تقريبًا إلى قناعة بعدم جدوى الاستمرار فى مفاوضات لا تبدى فيها إثيوبيا أى إرادة سياسية للحل وبات السودان يَقِف بالكامل حكومة وشعبًا فى الخندق المصرى لأنه يواجه تهديدًا وجوديا أيضًا، الرئيس عبدالفتاح السيسى من جانبه حذر الطرف الإثيوبى من المساس بنقطة مياه واحدة من حصة مصر، وأكد أن المساس بها خط أحمر وسيكون رد فعل مصر الإقدام على أمر سيؤثر على استقرار المنطقة، وأن يد مصر طويلة، ولا يتصور أحد أنه بعيد عن قدراتنا.
وكأى دولة أخرى مصر لا تريد الحرب ولا تسعى إليها، ولكن إذا وصلت الأمور إلى تعطيش الملايين من الأسر المصرية، فكل الخيارات مفتوحة والشعب المصرى يقف خلف قيادته للحفاظ على أمن البلاد المائى.