د.حسام فاروق
امتازت مصر عبر عقود طويلة بعظم قوتها الناعمة وتأثيرها الواضح فى منطقتنا العربية ودول الشرق الأوسط، فالثروات العلمية والفكرية والفنية والثقافية المصرية هائلة لا تنضب، ولها جاذبيتها التاريخية فى قلوب وعقول شعوب المنطقة، فكل العرب تقريبًا تعلَّموا من أفلامنا وأغانينا وأجادوا عاميتنا المصرية، ومن ثم فلا أحد ينكر دورالقوة الناعمة المصرية فى توصيل الرسائل المتعددة للمجتمع.
ويعتبر شهر رمضان المبارك من كل عام موسمًا للأعمال الفنية المتميزة، لا سيما الدراما التليفزيونية، فشركات الإنتاج تعمل طوال العام لتعرض فى رمضان باعتباره موسم الحصاد الذى يحقق أعلى نسب للمشاهدة، ولا يخفى أن الدراما التليفزيونية باتت أحد أبرز روافد القوة الناعمة المصرية فى عصر الفضائيات والسموات المفتوحة.
وعملت الدراما المصرية عبر عقود سابقة على توثيق بطولات تاريخية لأبناء هذا الوطن العزيز كما قامت بإحياء سير أبطال كان لهم نصيب أن يذكرهم التاريخ بسطور من نور؛ فكلنا يتذكر كيف استقبل المصريون مسلسلات تليفزيونية رائعة مثل "رأفت الهجان" و"دموع فى عيون وقحة" و"الثعلب" وغيرها من الأعمال الدرامية عرض بعضها فى شهر رمضان وكان لها تأثير كبير فى الشباب المصرى، الذى تعرف من خلالها على بطولات آبائه وأجداده.
ويوثق مسلسل "الاختيار 2" الذى يعرض حاليًا فى شهر رمضان بطولات رجال الشرطة المصرية منذ عام 2013، وحتى عام 2020، بعدما نجح الجزء الأول الذى عرض فى رمضان العام الماضى فى توثيق وتجسيد بطولات رجال الجيش المصرى وكشف تفاصيل المؤامرات المتتالية على مصر.
بعد أسبوع تقريبًا من متابعة المسلسل الذى شهدنا أحداثه فى الواقع ونكاد ونحن نشاهد مشاهدة التليفزيونية نذكر تفاصيل التفاصيل حتى تلك التى لم تذكر فى المسلسل ربما لاعتبارات خاصة أو لضرورة درامية، فالمسلسل لم يختلق واقعة لم تحدث، أو يؤلف شخصية غير موجودة ووثق كل الأحداث بصورتها أو صوتها الحقيقى وقت وقوعها بدقة وأمانة، نحن إذاً أمام دراما توثيقية من نوع خاص، مسلسل حوَّل التاريخ إلى دراما بدقة متناهية، عمل يشبه إلى حد كبير الملاحم الوطنية الكبرى، دراما حيَّة عشناها ولا تزال مشاعرنا التى ارتبطت بها لم تفقد قوتها، الأحداث لم يغمرها النسيان، لا نزال عند استرجاع شريط الأيام الصعبة قد نبكى أو نبتسم أو نندهش، فالدهشة حاضرة فى أذهاننا، دهشة من خطورة الظرف السياسى الذى عاشته مصر منذ 2011 ودهشة أكبر من نجاة مصر من كل ما خطط لها!!.
يقدم المسلسل توثيقًا دقيقًا لما عاشته مصر عقب ثورة 30 يونيه 2013 ويكشف الكثير من الحقائق عن المؤامرة التى حيكت ضد الوطن، من خطط؟ ومن نفذ؟ ومن أنفق ومن الذى أراد إحراق الوطن ولكن الله سلم، ويكشف المسلسل بالأرقام والبيانات الحقيقية كواليس وأسرار حوادث إرهابية بعينها شغلت الرأى العام فى حينها، كيف وقعت؟ و يوثق لحالة التزييف والخداع التى عاشها المغيبون من شباب جماعة الإخوان الإرهابية وتنظيمات العنف المسلحة، وكيف تم استغلالهم والسيطرة عليهم نفسيًّا وذهنيًا من قبل قيادات التنظيم الإرهابى تحت شعار السمع والطاعة، وكيف تم جرهم للعمل المسلح، تحت إسم الجهاد والدفاع عن الدين والدين منهم براء، وكيف كانوا يوظفون كلام الله عز وجل والأحاديث النبوية الشريفة لخدمة الأهداف السياسية التى تصب فى نهاية الأمر لتحقيق مصالح جهات وعناصر خارجية تعمل ضد الدولة المصرية.
فى تصورى أن مسلسل الاختيار بجزئيه الأول والثانى امتداد لمسيرة الدراما الرمضانية المتميزة التى ذكرناها سابقًا، لما تميز به من قدر عال من الصدق والإبهار والتشويق، فالمشاهد كان يريد أن يعرف ماذا دار فى كواليس سنين عجاف عصفت بالوطن فى ظرف سياسى بالغ الأهمية و الخطورة وكيف استطاع أبناء الوطن المخلصين الذين ضحوا بأرواحهم فداء هذا الوطن وخاضوا أشرف المعارك وأشرسها إدارة الأزمات بنجاح، ليحمون حاضر الوطن ومستقبله ويعبرون به إلى بر الأمان بعدما أنقذوه من الخداع والانتهازية الدينية من قبل جماعات التطرف و أجنداتها.
أثبت مسلسل "الاختيار" أن القوة الناعمة سلاح فعال فى معركة الوعى، وهو الجزء الأهم فى معركة البناء الكبرى للوطن لأنها ترتبط ببناء الشخصية المصرية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة والحفاظ على الدولة الوطنية وهويتها المصرية، حيث توثق المشاهد أحداث حقيقية شاهد عليها الزمن، تم نقلها للشاشة ببراعة شديدة وبحبكة درامية محكمة تحاكى الواقع الذى دارت فيه الأحداث.
ولأن مثل هذا النوع من القوة الناعمة بالغ التأثير هكذا ويُحْدِث حالة عقلية ووجدانية أفضل من ألف خطبة ودرس وموعظة ويعد وثيقة تاريخية لكل الأجيال ودرس فى التربية الوطنية وحب الوطن، أقترح على صناع الفنون أن يكرروا مثل هذه المحاكاة الفنية والأدبية للتاريخ المصرى فى مواقف وأعمال أخرى ليكون لدينا أكثر من "اختيار" فى العام وليس فقط فى شهر رمضان، فما تزال هناك أحداث حبلى بالتفاصيل الكثيرة يريد المصريون أن يعرفوها وتصلح بكل تأكيد لإنتاج أعمال درامية لا تقل روعة عن الاختيار.