البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
بعد 104 سنة تذكرت صحيفة الجارديان البريطانية قبل أيام أنها مدينة باعتراف بالخطأ، بعد فصول من التضليل لوثيقة عرفت بوعد "من لا يملك لمن لا يستحق"؛ تطل الجارديان بكل أريحية لتقول أنها كانت على خطأ حينما دعمت و احتفت بل و ساعدت في خروج وعد بلفور الذي صدر في 2 نوفمبر 1917 بصنيعة ورعاية بريطانية، الوثيقة التى تعد فى رأيى بداية للصراع العربى الإسرائيلى.

فى خضم المأساة التى تحدث الآن فى قطاع عزة والقدس والمسجد الأقصى وحى الشيخ جراح، وبينما صحف العالم تنقل صور القتلى والجرحى والصواريخ المتطايرة والبيوت المهدمة اختارت الجارديان أن تغسل يديها من حبر مخضب بالدم وتخوض فى حديث لا يمكن فصله بحال من الأحوال عن الأحداث المأساوية الآن فى الأرض المحتلة.

كتبت الجارديان تحت عنوان: دعمنا لـ وعد بلفور كان من أسوأ الأخطاء التى ارتكبناها خلال 200 عام، اعترفت الصحيفة البريطانية أنها كانت منحازة للصهيونية حينما دعمت الوثيقة المكذوبة واعتبرت أن تغطيتها لوعد بلفور برئاسة الصحفى المناصر للحركة الصهيونية تشارلز بريستويت سكوت كانت خطأ كبيرا، لكنها فى الوقت نفسه اعتبرت أنه خطأ وارد بقولها أنها تصدر منذ 200 سنة وكان من الصعب عدم وجود أخطاء فى بعض المواقف طوال تلك الفترة، وتضمن اعتراف الصحيفة كيف أنها رحبت ودعمت وساندت آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا آنذاك لخروج وثيقته التى توصى بالمساعدة فى إنشاء وطن قومى للشعب اليهودى فى فلسطين، قالت الجارديان فى تغطيتها للوثيقة وقت صدورها إن هذا الوعد غيَّر العالم حينما سهَّل تأسيس وطن قومى لليهود فى فلسطين، لكن الحقيقة فى رأينا أن هذا الوعد قلب العالم رأسا على عقب وظلت تداعياته قائمة حتى هذه اللحظة التى نكتب فيها هذه السطور.

قالت الجارديان، فى العدد الذى صدر قبل أيام بمناسبة احتفالها بمئويتها الثانية أن استماعها إلى أنصار الصهيونية وقت طرح الوثيقة أعماها عن حقوق الفلسطينيين، وأشارت إلى أن إسرائيل اليوم، ليست البلد الذى تنبأت به الجارديان.

لا أستطيع أن أصنف هذا الاعتراف من الجارديان بوخز ضمير، فهل يموت الضمير 104 سنة ثم يستيقظ فجأة؟! ولو اعتبرته كما قالت الصحيفة ضمن موضوع عن الأخطاء المهنية فى 200 سنة بعد إعادة تقييم فأيضا هل تنتظر جريدة قرن كامل لتقيم أخطاء من هذه النوعية لاسيما أنها لم يسبق لها الحديث فى هذا الموضوع؟!، ومن ثم فقد لا يخرج الموضوع فى رأيى عن كونه "ركوب للتريند" أوإحداث حراك مختلف يلفت الأنظار للصحيفة حتى ولوعرضها ذلك لانتقادات من البعض فهى أيضا ستجد اهتماما من فئة أكبر تشغلهم الأحداث وما يرتبط بها ولو من قديم الأزل.

ما يلفت الانتباه أيضا أن الصحيفة عندما تحدثت عما وصفته انتقادات طالتها جراء اعترافها هذا وأشارت إلى استياء رئيسة الجاليات اليهودية مارى زيال وكذلك السفارة الإسرائيلية فى لندن وجمعية مكافحة التمييز اليهودية من هذا الاعتراف، استخدمت الصحيفة نفس مصطلح منتفديها "دولة اليهود الوحيدة فى العالم" ونقلت قولهم أن اعتراف الجارديان هذا يقوِّض مشروعية تلك الدولة وهذا فى حد ذاته ترسيخ لمصطلح تم فرضه فى القاموس العربى مثلما تم فرض الكيان نفسه الذى يشير إليه المصطلح على الأرض العربية كرها، حتى ولوكان ذكر الجارديان للمصطلح يأتى فى سياق عدم اتفاق فى الرؤى مع من قاله.

موقف الجارديان الأخير واعترافها المتأخر يذكرنا بموقف بريطانيا من القضية الفلسطينية على مر السنين، فلم تكن بريطانيا يوما ما ببرلماناتها وحكوماتها المتعاقبة وصحفها الشهيرة بعيدة عن الصراع العربى الإسرائيلى منذ نشوبه، ولم تكن أبدا عادلة أوحيادية فى التعامل مع الصراع وإنما تبنت الدفاع عن طرف على حساب الآخر ووقفت بجوار الطرف المغتصب والمعتدي، ولوتحدثنا عن وعد بلفور الذى خرج بصدده اعتراف الجارديان فقد كان أول ترس فى ماكينة فرم الشعب الفلسطيني، وثيقة بريطانية الصنع صاغها وزير خارجية بريطانيا أرثر بلفور بعد موافقة رئيس وزرائها وقتذاك ديفيد لويد، وكانت بريطانيا ترى وقتذاك أنه التوقيت المناسب، لخروج تلك الوثيقة فبريطانيا منهكة بسبب الحرب العالمية الأولى، والولايات المتحدة انضمت حديثًا للحلفاء، بينما روسيا تتماسك بصعوبة، وفى كل من روسيا والولايات المتحدة العدد الأكبر من اليهود، وكانت الحكومة البريطانية مقتنعة بأن لليهود فى البلدين نفوذًا واسعًا وكان الجيش البريطانى فى فلسطين، بقيادة الجنرال ألينبي، واستولى على بئر سبع، ويتقدم باتجاه القدس، مصحوبًا بقوات الشريف حسين ملك الحجاز، الذى كان يأمل بتأسيس دولة عربية تتضمن فلسطين وسورية والعراق وشبه الجزيرة العربية، لكن دول التحالف كانت اقتسمت تلك المناطق ضمن اتفاقية "سايكس - بيكو" ، وهنا تطل فى المشهد رأس بريطانية أخرى كان لها دور خطير فى خروج وعد بلفور وهوالسياسى البريطانى العقيد مارك سايكس عضوالبرلمان عن حزب المحافظين والخبير بشؤون الشرق الأوسط خلال فترة الحرب العالمية الأولى وهو الاسم الذى نعرفه فى منطقتنا العربية باسم ثان فنقول "سايكس بيكو" فى إشارة إلى أنه كان الموقع عن بريطانيا عام 1916 على اتفاقية اقتسام مناطق النفوذ فى أراضى الهلال الخصيب التابعة بمعظمها آنذاك للدولة العثمانية المتهاوية ووقع وقتذاك عن فرنسا جورج بيكوفعرفت الاتفاقية بـ"سايكس- بيكو"، كان لهذا الرجل "الداهية" دور خطير فى إصدار وعد بلفور ولذلك اعتبرته الحركة الصهيونية أحد أبطالها وبعد موته الغريب بوباء الانفلونزا عن عمر 39 عاما نعته الحركة على لسان ناحوم سوكولوف صديق حاييم وايزمان قائلة: "سقط كالبطل إلى جانبنا".

فى 31 أكتوبر عام 1917 خرج مارك سايكس، من مكتب رئيس الوزراء البريطانى وقتذاك ديفيد لويد إلى حيث كان يجلس الصهيونى حاييم وايزمان، وقال له: دكتور وايزمان، المولود ذكر.. وكان سايكس تلقى تعليمات من ديفيد لويد، ووزير خارجيته جيمس أرثر بلفور، بالتفاوض على تصريح بريطانى لصالح خلق وطن لليهود فى فلسطين، صاغ وثيقته بلفور.

طوال الـ 104 سنة الماضية تحتفل بريطانيا ومؤسساتها وصحفها بوعد بلفور وتعتبره جميل بريطانى كبير فى عنق الكيان الصهيونى،  فأذكر فى 15 أكتوبر 2017 أحيت صحيفة التايمز البريطانية الذكرى المئوية لهذا الوعد المشؤوم ونشرت تقريرا بعنوان "كيف أرسى وعد بلفور جذور إسرائيل"، قالت التايمز فيه أن اليهود حاربوا عبر قرون من القمع من أجل إنشاء وطن ويبدوهنا التحيز الفج من قبل الصحيفة للكيان الصهيونى بوصفها له بالمناضل والمواجه القمع من أجل الوطن واعتبرت لحظة خروج وعد بلفور بالمهمة!!

اعتراف الجارديان يؤكد أن تسييس الإعلام ودخوله طرف فى المخططات الدولية والحروب أمر طبيعى ويحدث منذ عشرات السنين، فلم تنفصل الجارديان عن موقف بريطانيا الداعم للكيان الصهيونى منذ عشرات السنين، أما الحديث النظرى عن الحياد الإعلامى والقيم المهنية والأخلاقية، فلا مكان له حتى مع أكبر وأقدم وسائل الإعلام فى العالم التى تدعى أنها تراعى المعايير وتلتزم الأكواد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز