البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
علاقة السياسة بالإعلام وانعكاس ذلك على دور الأخير فى العلاقات الدولية، معضلة قديمة جديدة على مستوى العالم، والثابت كان ولازال أن هناك خطوط حمراء من المفترض أن يراعيها الإعلام التقليدى حين تناوله للشأن السياسى، مهما كانت درجة الخلاف بين دولتين. 

وبما أن السياسة لا تعرف الحب أو الكراهية، ولا تعرف الشخصنة فى المعاملات، فما ينطبق على السياسة ينطبق بالتبعية على الإعلام فى تناوله للموضوعات ذات الصلة بالسياسة أو ما يطلق عليه الإعلام السياسى بمعنى أنه مهما كانت درجة الخلاف فى العلاقات بين دولتين لا ينبغى أن يخرج إعلامى من هنا أو إعلامى من هناك ليسىء للأشخاص بصفتهم ويكيل الشتائم التى تخرج عن سياق الاختلاف فى الرؤى والمصالح، فحتما هناك خط رجعة فى السياسة، وبالتبعية أيضا هناك خط رجعة فى الإعلام السياسى، ومن ثم يجب أن تُحسب بدقة لحظة عودة العلاقات وتًصالح الخصوم وشكل الإعلام هنا وهناك، وقتذاك يقيِّم الخبراء الإعلام السياسى فى الطرفين وفقا لمعايير المهنية الأخلاقية، من الذى تمكن من ضبط النفس وضبط الخلاف فى إطاره ولم يخرج عن السياق؟ ومن الذى حول الخلاف إلى وصلات من الردح و الشتائم؟.

فى السياسة لا عداء دائم ولا صداقة دائمة بل مصلحة دائمة، فالسياسة صراع من أجل المصالح، والمصالح فحسب، ومن ثم فمن الحصافة الإعلامية أن يدرك الإعلامى أن أى خصام مهما بدا أنه كبير وقد يطول فهو مؤقت وفى فترات الخصام المؤقت كلا الطرفين يحسب نقاط له أو نقاط عليه حتى إذا رجعت العلاقات يكون لكل طرف ما يقوله فيما هو آت.

كنا نشاهد أنه قد يلجأ إعلامى من دولة ما بالتعرض لأشخاص بعينهم فى مواقع السلطة فى دولة أخرى على خلاف مع دولته ثم ينخرط فى الخوض وتوجيه الشتائم بالكلمات أو بالهمز و اللمز، وهذا لا علاقة له بالإعلام ولا بالسياسة، اختلف ما شئت مع السياسات والمواقف والقرارات وانتقد و ناقش و فند وحلل لكن دونما خوض فى أشخاص أو تحويل الخلاف إلى "خناقة نواصى"، وللأسف هذا موجود على بعض شاشاتنا العربية.

فى أبسط صور خروج الإعلامى عن النص على سبيل المثال وكنوع من المكايدة "الفارغة" يتعمد عدم ذكر الصفة الوظيفية للمسؤول الكبير فى دولة ما سواء الحاكم أو رئيس الوزراء و هذا أيضا لا يليق ولا يتفق مع كل البروتوكولات الإعلامية، وكأن هذا الإعلامى أو ذاك عندما لا يقول الرئيس فلان أو الأمير فلان متعمدا يكون بذلك قد نفى عنه شرعيته و فى رأيى هذه أيضا حماقة إعلامية لو شئنا التوصيف.

فى كل أدبيات الإعلام فى العالم لم يكن أبدا كسب الأرض بالتطاول أو الإساءة للأشخاص، وحتى فى أشد فترات الخلاف السياسى بين القوى العظمى فى العالم كان التراشق اللفظى فى الإعلام - وأخص هنا الإعلام المرئى والمسموع - يقف عند حدود وصف الرئيس الفلانى بالثعلب أو المراوغ و الماكر أوالعنيد أو المباغت وبالطبع لابد أن يسبق التوصيف كلمة الرئيس، أما مؤخرا فقد طفا على السطح فئة من مقدمى البرامج للأسف محسوبين على الإعلام نسمع منهم العجب العجاب ويتصورون أنهم يسيئون لمن يقذفونهم أو يسبونهم، بينما الحقيقة أنهم يسيئون لأنفسهم ولجماهيرهم ولدولهم التى سمحت لهم بذلك.

على مدار السنوات العشر الماضية لا نبالغ لو قلنا أن بعض الإعلام خصوصًا المرئى منه كان له دور كبير فى شحن الشعوب وتغذية الصراعات وتكوين رأى عام زائف تجاه العديد من القضايا لاسيما فى منطقتنا العربية وساهم فى إحداث الفرقة وبث الشك فى نفوس الجماهير تجاه دولهم و مؤسساتها ورموزها، وكل هذا بالطبع لم يحدث بالصدفة، فلو استثينا على سبيل المثال الزاعقين من "إعلاميى الصدفة" وهم قلة من الذين تقودهم حماقاتهم الشخصية لافتعال أزمات بين الدول، فبقية الشاحنين من الإعلاميين تقودهم مخططات سياسية وأهداف محددة.

فى ظل الخلافات السياسية بين بعض الدول انتهز بعض الإعلاميين على الشاشات العربية الفرصة ولعبوا دورا خبيثا خلال العقد الماضى فى التحريض الخطابى وإثارة النزاعات والحث على الكراهية والتلاعب بالرأى العام، ظنا منهم أنهم هكذا يكسبون رضا السلطة، لكن الحقيقة تقول أنه حينما تتبدل المواقف وتتفق المصالح ويتصالح الخصوم السياسيين سيباع الشتَّامون من هنا وهناك بأرخص الأثمان، ونحن إذ نحذر من مخاطر انخراط بعض وسائل الإعلام فى ممارسة التضليل، وترويج الإشاعة، وتغذية الجهل والأحكام المسبقة، نحذر أيضا من فصيل إعلامى يعتقد أنه من أهل النفوذ ويلعب السياسة فى أردأ صورها بما يوجهه من شتائم وسباب للخصوم، فأمثال هؤلاء هم العدو اللدود لأى سلام مستدام بين الدول.

من المهم الآن الاستثمار فى بناء جسور تعاون إيجابى بين الفاعل الإعلامى ومسارات بناء السلام بين الدول وبعضها ودعم المسارالأخلاقى للإعلام والذى يوجه سلوكات الجماهير ويتجاوز الحديث عن الانقسامات، ويؤكد النقاط المشتركة لدى أطراف الخلافات السياسية، وهذه فى رأيى هى الوظيفة الاجتماعية الرمزية للإعلام.

ولأجل هذا اقترح على المسؤولين عن الإعلام فى بلادنا "عام وخاص" وضع مواثيق أخلاقية ومهنية، تؤسس لإعلام إيجابى وتروج لثقافة السلام على أن لا يتصدر للحديث فى الإعلام السياسى سوى الدارسين له والمتخصصين فيه لأنهم ببساطة درسوا علم السياسة ويدركون كيف تدار اللعبة السياسية ومن ثم سيدركون كيف يدار الإعلام وقت الخلاف حينما يكون جزء من هذه اللعبة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز