د.حسام فاروق
عندما أقدمت مصر على إطلاق مصطلح "الجمهورية الجديدة" للتعبير عن دخولها مرحلة جديدة من تاريخها، نجحت فيها فى تحويل التحديات إلى فرص تنموية واعدة وحققت إنجازات تاريخية غير مسبوقة، فى شتى مناحى الحياة، قامت الدنيا ولم تقعد عند بعص وسائل الإعلام الأجنبية وتحديدا فى لندن عاصمة التنظيم الدولى لجماعة الإخوان الإرهابية والتى تأوى الآن أكبر نسبة من عناصر التنظيم الهاربين من أحكام قضائية عن جرائم ارتكبوها إذ طلت علينا بعض الصحف والمواقع والقنوات الممولة من والمتعاونة مع التنظيم الإرهابى وسارعت إلى تفريغ مصطلح "الجمهورية الجديدة" من مضمونه والإصرار على ربطه القصرى بالنظام السياسى.
فى حين أن الفرنسيين أنفسهم - باعتبارهم مبتكرى التسمية - حين صكُّوا هذا المصطلح فى خمسينيات القرن الماضى لم يقصروه على التغيير السياسى المرحلى الذى عاشوه ولكنهم أرادوا به بشكل عام التعبير عن غاياتهم لمزيد من التقدّم الإنسانى على مختلف الأصعدة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، ومن ثم فالمقصود هو التغيير للأفضل على صعيد الإنسان.. ولو نظرنا إلى مصر الآن وقارناها بمصر قبل سبع سنوات سنجد ما لا نبالغ حين نسميه طوفان من التغيير فى كل شىء استهدف الارتقاء بالإنسان و بنائه من جديد.
استنكر علينا أحفاد الإرهابى المؤسس حسن البنا من لندن أن نسمى ما تشهده مصر الآن من نهضة على كل الأصعدة يشهد بها العالم بالجمهورية الجديدة، وهم من كانوا يخططون فى السنة السوداء التى وصولوا فيها لحكم مصر إلى العودة بالبلاد قرونا سحيقة للوراء، وانطلقوا فى هجومهم على الدولة المصرية من فرضية مغلوطة وضعيفة بقولهم أن المدن الجديدة والأبنية عالية الطرز والتقنية ماهى إلا حجارة تتبع السلطة السياسية، ومُسخَّرة لخدمتها، ولا يمكن أن تعتبر مرادفا لمصطلح "الجمهورية الجديدة "!!
وتناسى هؤلاء أن تقدم الأمم فى أبلغ تعريفاته يقاس بمقدار تعديل كل أمه من نفسها بما يغير حياة الناس للأفضل، وهذا يتطلب تقدما فى كل شىء من "الإبرة للصارخ" كما يقولون، يتطلب العلم والبناء والتنمية والمشروعات الاقتصادية الكبرى والبنى التحتية الجديدة وشبكات الطرق التى تجذب الاستثمار وشكل المعمار وكل شىء، ومن ثم فالجمهورية الجديدة فى مفهومها الذى تقصده مصر هو التغيير للأفضل فى كل شىء، وفيما يخص تمسكهم بانتقاد المدن الجديدة والتوسع العمرانى وقصرهم المصطلح على أنه يعبر عن التطور فى "البناء الخرسانى" فقط فهذا مردود عليه بالقول: هل بالإمكان تغيير حياة الناس للأفضل و هم يسكنون العشش والعشوائيات ويفتقدون الرعاية الصحية و التعليم ؟!
أعتقد أنه من البديهى أن أوفر لهم أولا سبل الحياة الكريمة، فمن القصور عدم ربط تغيير حياة الناس للأفضل بتغيير بنية حياتهم وسكنهم وليس العكس، فتحديث المنشآت ومن فيها، وأقصد بها المساكن والأبنية التعليمية والمستشفيات والأندية وبيوت الثقافة والمسارح هو تحديث وتطوير للبيئة التى يخرج منها الإنسان، وهى الحاضنة الثقافية والفكرية له وأول لبنة فى طريق إعادة بناء الإنسان المصرى، وأى محاولةٍ لفك هذا الارتباط بين تأسيس جمهورية جديدة وتحديث شكل وأسلوب حياة الناس، لا محل لها إلا عند من يحبون القبح والعشوائيات ويرفضون دخول مصر عهد جديد من عمران الأمكنة وعمران العقول بالعلم والمعرفة ومواكبة التطور العالمى.
مصطلح "الجمهورية الجديدة" فى مصر قصد به الصعود إلى مستوى حياتى مختلف ولن يكون الأمر مجرد مبانى تعلو قامتها بل تغيير جذرى فى الإنسان قبل المكان وسيمتد التطوير من العاصمة الجديدة إلى أسوان وكل ربوع مصر من أجل الرقى و بناء الإنسان.
وكعادة الإخوان دائما لديهم غُصة من الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، فلم ينسوه فى هجومهم على مصطلح "الجمهورية الجديدة" وقالوا أن عبد الناصر ورفاقه استولوا على السلطة فى 23 ثورة يوليو 1952 وغيروا الحكم من ملكى إلى جمهورى اسما فقط، ولم يسعوا إلى تأسيس نظام جمهورى حقيقى، فى حين أن الحقيقة تقول أنه لولا عبد الناصر ما كان لهؤلاء أن يتعلموا القراءة والكتابة ويدخلوا المدارس والجامعات مجانا ثم يطلون علينا من أبواقهم العفنة فى الخارج وهم فى أرذل العمر ليسيئون لعبد الناصر ورفاقه.
وفيما يخص التطور والتحديث على صعيد بنية النظام السياسى والذى يواكب أيضا الجمهورية الجديدة فقد تناسى من يهاجمون الدولة المصرية الآن أن التاريخ السياسى الطويل للبلاد مضى وسط صراعات دولية وإقليمية ومحلية كانت كفيلة بتفتيت أى نظام وهذا ما حدث بالفعل من حولنا، لكن الدولة المصرية بما لها من قِدم ورسوخ صمدت ونجحت فى الحفاظ على هويتها وثوابتها الوطنية واستقلال قرارها، كما نسى هؤلاء ما وصلت إليه مصر على صعيد المشاركة السياسية خصوصا دور المرأة فى الحياة السياسية فما تحقق فى السنوات الخمس الماضية للمرأة المصرية لم يحدث على مدار التاريخ الحديث كله.
بعد مضى 7 سنوات بالتمام والكمال على تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى مهام رئاسة الجمهورية وبدء حياة سياسية جديدة فى مصر، بعد ثورة شعب عظيم، أنقذت البلاد من سواد دام سنة كاملة، عبر تلافى النواقص وتقوية الأسس الدستورية والأعمدة القانونية التى تحمى الدولة، أخذت الحياة السياسية والحزبية فى البلاد طريقها للتحسين والتجديد والانطلاق، بما يجعلنا وبكل ثقه نقول أننا بالفعل ندخل "جمهورية جديدة" فى بلد تنعم بتاريخ سياسى، وحزبى طويل، يسبق العديد من الدول الكبرى والعريقة فى الديمقراطية.
نحن إذ نتحدث عن "الجمهورية الجديدة" إنما نتحدث عن مصر جديدة على كافة الأصعدة و عن دور مصرى وتأثير إقليمى، نجح فى تفكيك الكثير من الملفات المعقدة ويطرح الآن واقعا قائما هو نتاج تجربة تكونت على مدى سنوات، تم خلالها البناء داخليا وخارجيا وقبل كل هذا بناء الإنسان.