د.حسام فاروق
كل هذا شكَّل جزءًا شجينا من جغرافيا روحى، يظل لدى حنين غير منقطع للسير فيه منذ قدمت للقاهرة فى أول مرة عام 1991.
كثيرا ما أجنح بخيالى متصورا السكان الأوائل لتلك العمائر العتيقة التى اصطفت على جانبى الشارع فى مناطق متفرقة منه ومعظمها بنايات عادية لسكان الطبقة المتوسطة التى كانت عماد المجتمع طوال القرن الماضى، بنى معظمها فى النصف الأول من القرن العشرين وظلت شاهدة على حراك اجتماعى لن ينقطع على مر العصور، ارتبط بوجدان كل مصرى.
الأسبوع الماضى قدر لى أن أسير بسيارة أجرة "تاكسى" فى هذا الشارع، ومن التكدس المرورى الكبير قبيل الكاتدرائية المرقسية فى العباسية حاولت أن أشغل الوقت بقراءة الشارع من حولى فأنا ممن يعتقدون أن الشارع المصرى بمعالمه ووجوه من فيه وبناياته يشكل دائما أهم ملمح من حياة الناس على مر التاريخ.
لفت نظرى تلك البنايات القديمة عالية الطرز والتى يبدو أن جيل الأحفاد الذى ورثها قد هجرها إلى أماكن أخرى كالمدن الجديدة، الممتدة شرقا وغربا، فالشبابيك والشرفات مغلقة، عليها أتربة سنين متراكمة لم تجد من يزيحها، أكسبتها اللون الرمادى، لكن هذا لم يخف جمالها وروعة تصميمها والحديد المُشَّكل فى زخارف بديعة حول الشرفات البارزة، والفنون على الجدران والمجسمات على الواجهات وحول المداخل، كأنها لوحات تشكيلية تروى بسرد زمانى محكم تفاصيل منقوشة بريشة عازف، ومشرط نحات، حيث ارتبط الوجدان المصرى دائما بالعمارة القديمة، حتى أننى بمجرد التأمل لتلك المناظر ينشط وجدانى وخيالى وكثيرا ما أفكر كيف كانت حياة هؤلاء الناس "العادية" وأشغالهم اليومية وهيئتهم قبل الغزو التكنولوجى، وعصر الإنترنت والتواصل الإلكترونى؟
بالتأكيد هناك قصص وحكايات حقيقية مشوقة داخل كل بناية، وعموما ليس هذا موضوعها الآن.
ببحث بسيط وبسؤال السائق الذى تصادف أنه من سكان المنطقة عرفت أن معظمها بنايات مؤجرة بأسعار زهيدة قد لا توازى ثمن فنجان قهوة فى أى مقهى مجاور أو حتى ثمن تذكرة أتوبيس من تلك العربات الفاخرة والمكيفة المتجهة للتجمع والقاهرة الجيدة التى تمر من أمامها.
لنتخيل معا كيف ستكون الصورة لو أعدنا طلاء هذه البنايات بلون موحد وأعدنا لها بهاءها حفاظا على قيمتها الجمالية والمعمارية، مثلما حدث فى مشروع تجميل القاهرة الخديوية وبعض شوارع وسط البلد الذى أعاد البهاء للأبنية التاريخية بإزالة المخالفات التى تشوه الواجهات، وإعادة طلائها بألوان ترابية، بالإضافة إلى ترميم كل الزخارف المتهالكة والمفقودة عبر الزمان، أعتقد أننا سنكون أمام مشهد أفضل يليق بتاريخ شارع من أطول وأشهر وأهم شوارع القاهرة وهو شارع رمسيس الذى يبدأ من كورنيش النيل عند ميدان عبد المنعم رياض، مرورا بمناطق عديدة منها غمرة، وميدان العباسية وحتى مدينة نصر.
ويرجع تاريخه إلى عهد عباس الأول والذى حمل اسمه قبل أن يقوم الملك فاروق الأول، بتغييره إلى شارع "الملكة نازلى" وبعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 تم وضع تمثال رمسيس الثانى فى الشارع فى مواجهة محطة مصر ومن يومها حمل اسم شارع رمسيس، وحتى بعد نقل التمثال للمتحف الكبير ظل الشارع محتفظا بالاسم.
لست على علم بالجهة المنوط بها هذا التطوير المبتغى هل هى الجهاز القومى التنسسيق الحضارى الذى أنجز عددا من المشروعات المهمة للنهوض بالعمران والإنسان فى آن واحد أم محافظة القاهرة التى تدير خطة متكاملة لتطوير المحافظة عبر إعادة صياغة الرؤية الجمالية للفراغ العام والعمل على إزالة التشوهات البصرية بهدف إعادة الوجه الحضارى للشوارع القديمة والميادين أم الجهتين معا؟، و لا أعلم أيضا كيف سيتم التواصل مع السكان الذين هجروا تلك البنايات؟ وكيف ستكون صيغة هذا التعاون معهم فيما يخص هذ التطوير؟ وهل سيقوم السكان أنفسهم بهذا التجميل وفق نموذج بعينه أم ماذا؟، وهل سيتم إشراك أصحاب المحال التجارية المجاورة فى تنفيذ مشروع التطوير ليشمل تغيير "يافطات" محالهم وإزالة المخالف منها إلى أخرى تتماشى مع نسق الشارع والأبنية؟
ما أعلمه أننا بصدد صناعة جمال نحن فى حاجة إليه والدولة المصرية وهى تستعيد رونقها فى مختلف الاتجاهات عليها أن تنظر بعين الاعتبار لهذه الصورة التى تخيلناها سويا.