د.حسام فاروق
كان العنوان الأبرز المصاحب لأحاديث القمة هو مشروع "الشام الجديد"، الكل تساءل ما هو الشام الجديد؟
بحسب ما كُشف فإن "الشام الجديد" مشروع استراتيجى مشترك بين مصر والأردن والعراق، يقوم على أساس التفاهمات والمصالح الاقتصادية فى المقام الأول لتكوين تكتل إقليمى قادر على مواجهة التحديات، بما يشمله من تعاون فى مجالات اقتصادية واستثمارية ويؤسس لبناء أرضية صلبة وتحالف مثمر، تجنى ثماره شعوب الدول الثلاث فضلا عن أنه من المرجح أن يكون نواة لتكتل أوسع يضم فى المستقبل دولا عربية أخرى، بهدف ترجيح دول الاعتدال بالمنطقة، فى ظل تصاعد وتيرة العنف والتطرف جراء دعم دول إقليمية للحركات الراديكالية والتيارات المتطرفة بمنطقتنا العربية.
فكرة "الشام الجديد" انطلقت من المحور الاقتصادى، فى المقام الأول، وارتكزت على قاعدة أن التعاون الاقتصادى أقصر الطرق إلى التكامل الاستراتيجى وحددت مجالات التعاون فى الطاقة والربط الكهربائى والبنية التحتية والاستثمار والتجارة، عبر دفع التنمية وحرية تدفق الأموال والتقنيات والعمالة، إذ يصل التبادل التجارى بين الدول الثلاث قرابة خمسة مليارات دولار، ويعتمد "الشام الجديد" على المزاوجة بين القدرات البشرية والصناعية المصرية والثروات العراقية وموقع الأردن، فبالاستفادة من الكتلة البشرية الضخمة لمصر، مقابل الثروة النفطة الضخمة التى يمتلكها العراق، وبتفعيل الميزة الجيوسياسية لموقع الأردن الذى يربط العراق بمصر نكون بصدد نتائج عظيمة حال تفعيل هذا التحالف.
جاء تأسيس التحالف على هامش عدة مشروعات اقتصادية ضخمة، فى مقدمتها إنشاء خط بترول مزمع مده من البصرة بالعراق، إلى سيناء فى مصر، مرورًا بخليج العقبة عبر الأردن، تحصل بموجبه مصر والأردن على الخام بأسعار تفضيلية بتخفيضات تصل 16 دولارًا على البرميل، بينما تستورد العراق الكهرباء والمشتقات البترولية المكررة من مصر والأردن، إضافة إلى استقطاب بغداد للاستثمارات من البلدين.
رغم غلبة الصبغة الاقتصادية على تكتل "الشام الجديد" إلا أننا يمكننا أيضا إدراجه فى إطار محاولة خلق تجمع عربى يعمل – بجانب التعاون الاقتصادى – على تحسين الظروف السياسية والأمنية، فهناك متشابهات ساسية عدة بين دول المحور الجديد تحتم وجود هذا الترابط فى ظل التحديات التى تواجه الدول الثلاث معا والمنطقة بأكملها، وفى مقدمتها الإرهاب، فالدول الثلاث لها باع طويل فى محاربة التطرف الفكري، والعنف المسلح.
فى رأيى مشروع "الشام الجديد" ضرورة فى ظل اشتداد الصراع الجيوسياسى على الشرق الأوسط برمته، العرب الآن فى حاجة ماسة لإدراك الخطر الحقيقى الذى يهدد المنطقة فى السنوات القادمة، فما عانته المنطقة خلال الثلاثة عقود الأخيرة يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنها مرمى هدف للكثير من المخططات بداية من التقسيم مرورا بالحروب الأهلية وتغذية النزعات العرقية والطائفية، وتحالف كهذا من شأنه قطع كل طرق الابتزاز التى تمارسها دولا إقليمية كبرى لدول الحلف، كما أنه سيعمل -على سبيل المثال- على كبح جماح المشروعات التوسعية الإيرانية والتركية والإسرائيلية على حساب العرب، ويعيد التواصل والالتحام بين مصر قلب العروبة النابض بما تحملة من أهمية مركزية لكل القضايا العربية وبين منطقة الهلال الخصيب وتضم العراق والشام "سوريا ولبنان والأردن وفلسطين"، والتى تحدها تركيا من الشمال ومصر من الجنوب، وإيران من الشرق والبحر المتوسط من الغرب ومن ثم يضم الحلف منطقة ذات بعد جيوسياسى كبير، وتتحكم فى أهم الممرات التجارية والملاحية العالمية وعلى رأسها قناة السويس فى مصر، وتملك احتياطات ضخمة من النفط والغاز، لا سيما العراق الذى تقدر احتياطاته البترولية بنحو 150 مليار برميل على الأقل.
لا نبالغ إذا قلنا أن ولادة تحالف كهذا تاخر كثيرا إذا وضعنا فى الحسبان حتمية الجغرافيا التى لا يمكن تجاوزها فما جرى فى المنطقة على امتدادها خلال السنوات العشر الماضية من حروب وصراعات ونزاعات، من العراق إلى سورية واليمن، بعضها حروب خمدت نيرانها، والآخر ما زال مشتعلا، كان كله كاف لوجود تحالف كهذا يؤكد على حتمية الجغرافيا وسطوتها، وتاريخيا ليست هذه المحاولة الأولى لتحالف كهذا فالتاريخ يشهد أن مصر والشام كانا كيانًا سياسيًا واحدًا، فى حقب تاريخية سابقة وهو ما جعل قوى الاستعمار القديم تحاول دائما فصلهما إلى جناحين مختلفين، باحتلال مصر والشام والعراق وزرع بذور التوتر والصراعات فى تربة "الهلال الخصيب"، خلال القرنين الماضيين، وما زالت آثار ذلك موجودة بشكل أو بآخر وأقل ما يمكن ملاحظته فى هذا الشان على سبيل المثال المحاولات الدائمة لإيقاظ الفتن وتأجيج الاحتراب الأهلى وإدخال أنواع مستحدثة من الحروب، فى رأى أن أخطرها حروب "الهويات".
إن أخطر ما يهدد أمة ما هو غياب الرؤى المستقبلية التى تحمل الحلول، ولعل "الشام الجديد" يحمل رؤية ويمثل ضرورة استراتيجية مع توفر الإرادات السياسية فى منطقة تعج بالتطورات كل يوم، وإن كتب لهذا التحالف النجاح ربما يتغير وجه المنطقة بالكامل، لا سيما بدخول شركاء آخرين مثل السعودية ولبنان بعد أن يتجاوز الأخير أزماته، كما قد نشهد انضمام ليبيا والسودان وغيرهما، فى إطار من المصالح المتبادلة ودعم استقرار المنطقة ونمائها.
"الشام الجديد" ربما يكون بداية لشرق عربى جديد، فى منطقة شهدت مولد الحضارة الإنسانية والأديان والمعارف والقوانين منذ فجر التاريخ، شرق يعاد فيه ترتيب الاصطفافات السياسية الإقليمية فى إطار حماية المصالح الاستراتجية العربية، وتفكيك مخططات اللاعبين الجدد فى الإقليم.