البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
فى معرض القاهرة الدولى للكتاب هذا العام وبينما أنا كعادتى أتجول بعينى بين أروقة الكتب المعروضة أطالع الأغلفة والصور وأقرأ العناوين وأسماء المؤلفين، استوقفنى كتاب شعرت للوهلة الأولى أن غلافه ينادينى أو كأن بعض صور الشخصيات التى تراصت كباقة ورد على الغلاف قد خرجت من أماكنها لتستوقفنى بالاسم، كما كانت تستوقفنى حينما أسعدنى الحظ بالتعامل معها.

الكتاب اسمه "نجوم ماسبيرو يتحدثون" للكاتبة سها سعيد، وهى صحفية زميلة فى مجلة الإذاعة والتليفزيون، قررت أن تخوض تجربة مليئة بالتشويق والمتعة فيها حلاوة الزمن الجميل ورونقه وعبق التاريخ وجمال الأصالة وعظمة الانضباط والرقى، بإجراء سلسلة حوارات مع نخبة من نجوم ماسبيرو من الإذاعيين والتليفزيونيين أمام وخلف الميكروفونات والكاميرات، منها انفرادات مع شخصيات تتحدث لأول مرة عن مشوارها ورحلتها فى ماسبيرو، ومن ضمن الانفرادات على سبيل المثال فصل بعنوان "شهادات للتاريخ" عبارة عن شهادات بخط يد نجوم ماسبيرو عن أهمية توثيق مشوارهم الإعلامى، خلاصة هذه التجربة كانت كتاب من  ثلاثة أجزاء، صدر عن دار النخبة الجزء الأول طرح عام 2019 وضم حوارات مع 32 شخصية من مذيعى ومخرجى ماسبيرو من الجيل الأول والثانى والثالث، والجزء الثانى صدر عام 2020، وضم حوارات مع 15 شخصية من كبار الإذاعيين فى الإذاعة المصرية إلى جانب مجموعة من مذيعى التليفزيون، أما الجزء الثالث الذى صدر حديثا والذى استوقفنى فى معرض الكتاب فيضم حوارات مع 20  شخصية من كبار الإذاعيين ومخرجى ومذيعى ماسبيرو.

اعتبر نفسى خريج مدرسة ماسبيرو أمضيت فيه قرابة الربع قرن، فيه تعلمت كل فنون الإعلام والصحافة التليفزيونية والإعداد والتقديم وعاصرت عددًا كبيرًا من أساتذتى من الجيل الذهبى لماسبيرو، الذين يتحدث الكتاب معهم وعنهم، وأعلم أن من بينهم من تنطبق عليه المقولة الشهيرة "لا يعجبهم العجب" من شدة حزمهم ودقتهم وفكرة أن تحاورهم هى مهمة فى غاية الصعوبة، لا سيما أن بعضهم من عمالقة فن الحوار، ولذلك أشفقت على زميلتى الدؤوبة سها سعيد فى مهمتها هذه، لكنها وبطريقتها واجتهادها وبحثها الدقيق نفذت إلى قلوب الأساتذة الكبار وأحبوها مثلما قالوا فى شهاداتهم عنها فجعلتهم يتحدثون ويسهبون ويمتعون القارىء لهذا الكتاب بشريط من الذكريات العزيزة.

فى رأيى أن هذه الذكريات لا تخص هؤلاء النجوم بمفردهم ولكنها تخص مصر ومراحل من تاريخها، تخص مناخ ثقافى وإعلامى وسياسى كان سائدًا وترك بصمة فى حياتنا وشكَّل وجدان أمه بأكملها، فحين يتحدث نجوم ماسبيرو عن أروقة الإذاعة خلال فترة حرب الاستنزاف وحتى انتصارات أكتوبر وحركة الاستوديوهات ونبض الشارع من خلال احتكاكهم بالناس وحين يتحدثون عن الخطابات الرئاسية للرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات وكواليس تسجيلها والبيانات الحربية والمراسلة من على جبهة القتال والأغنيات الحماسية التى صنعت داخل أروقة ماسبيرو على السلالم وفى الطرقات أثناء العبور العظيم فى السادس من أكتوبر 1973 فهم هنا لا يتحدثون فقط عن عملهم أمام الميكروفون أو الكاميرات وإنما يتحدثون عن زمن كامل يشكل جزءا مهما من جغرافا أرواحنًا، وأعلم هنا أن أساتذتى من الإعلاميين المتحدثين فى الكتاب حين يتحدثون يخالطهم التذكر بالدمع والابتسامات أو حتى بالسفر مع الزمن فى رحلة تتوق لها النفس.

أما عن تجاربهم، فلكل شخصية حكاية مليئة بالدروس والعبر، تفاصيل النشأة وحلم العمل فى الإعلام لا سيما ذاك الصندوق السحرى الجديد الذى ظهر للناس فى منتصف عام 1960 والمسمى بالتليفزيون والمعوقات والتحديات التى واجهت هذه الحلم، ثم الالتحاق  بالعمل فى الإذاعة أو التليفزيون وكيف كانت الاختبارات والصعوبات التى قابلوها، وقسوة وصرامة الممتحنين من القامات الفكرية والأدبية وأباطرة اللغة العربية، وكواليس برامجهم الأولى والمناصب التى تقلدوها، وغيرها من حكايات فى غاية التشويق لأن أبطالها نجوم أثروا فى حياتنا وكل حكاية فيها على الأقل اسمين أو ثلاثة من الأسماء الرنانة التى كانت ملء السمع والبصر فى مجالها وساهمت فى تشكيل وعى ووجدان الجمهور المصرى والعربى.

كان للزميلة سها سعيد، السبق فى محاورة عدد كبير من الإعلاميين الذين رحلوا خلال الأعوام الثلاثة الماضية منهم على سبيل المثال المذيعتان عفاف عبدالرازق، وملك إسماعيل، والمخرجين  محمد رجائى، ويسرى غرابة، ومحمد عبدالنبى،  بعض هذه الحوارات فى الغالب كانت الحوارات الأخيرة لهذه الشخصيات ومن ثم تكمن هنا فائدة التوثيق الذى قامت به صاحبة الكتاب.

ضم الجزء الثالث من الكتاب مقدمتين بقلم الإعلاميتين الكبيرتين ميرفت رجب وهالة حشيش، عبرا من خلالهما عن أهمية هذا الكتاب كأحد الأعمال المهمة التى توثق لمسيرة كبار الإعلاميين المصريين، كما عبرا عن سعادتهما بالفكرة وبحماس وشغف الزميلة سها سعيد التى بذلك جهدا كبيرا للخروج بهذه الحوارات وجمعها فى كتاب من ثلاثة أجزاء كمرجعية للمهتمين والمتخصصين فى مجال العمل الإعلامى.

لست بصدد سرد أسماء كل من حاورتهم سها سعيد فى كتابها بأجزائه الثلاثة فهم يقاربون الـ70 علما من أعلام الإعلام فى بلادنا، ولكنى على سبيل المثال سأذكر أننى شرفت بالعمل وتتلمذت على يد معظمهم وأخص هنا ثلاثة أسماء من عمالقة التقديم التليفزيونى فى العصر الذهبى لماسبيرو أسعدنى الحظ بالإقتراب منهن: سوزان حسن وعزة الإتربى ونانو حمدى ولكل واحدة منهن قصة فى حياتى و دروس باسمها تعلمتها ولا زلت أذكرها، وحين قرأت الأجزاء المتعلقة بهن فى الكتاب أدركت مدى الصدق والأمانة اللتان حرصت عليهما الزميلة سها سعيد صاحبة هذه التجربة.

فى رأى أن هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة هو أول عمل توثيقى لرواد ونجوم ماسبيرو وينقل بأسلوب سلسل لا يخلو من الانفرادات صورا من تاريخ مصر من خلال الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التى عاشتها الأمة المصرية قبل عقود، وكيف كان للإعلام دور فيها، كما يلقى الضوء بشكل واضح على قلعة من قلاع الثقافة والتنوير فى المنطقة العربية هى مبنى ماسبيرو العريق المدرسة الأم للإعلام العربى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز