البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
هل كانت شعوبنا العربية فى حاجة إلى عقد كامل من الزمن لتدرك حقيقة ما أسموه اصطلاحا "الربيع العربى"، ويكتشفوا أنه لم يكن أبدا ربيعا؟، هل تبينت الآن كل خيوط المؤامرة التى حيكت على شعوبنا ومنطقتنا العربية تحت هذا المسمى؟، وهل تشهد تونس البلد الذى انطلقت منه الشرارة الأولى لهذا الحراك الزائف إسدال الستار عليه وإنهاء صلاحية هذا المصطلح المغلوط؟

أعتقد أن الزمن والتجارب كفيلان بأن تتعلم الشعوب من أخطائها وأن بريق المصطلحات ورنين الشعارات ليس بالضرورة يشيران إلى شىء عظيم، فالتجربة أثبتت أن ما أسموه الربيع العربى كان محاولة خبيثة لاستغلال معاناة الشعوب ووقفاتها المشروعة ضد ظلم وفساد فى بلدانها، لتنفيذ مخطط سياسى استهدف المنطقة برمتها بالتقسيم وإشاعة الاحتراب الأهلى وتغذية الصراعات، وتقديم التيارات المتطرفة للواجهة باعتبارها الأداة الفعالة التى تستخدمها القوى الخارجية التى تدير هذا المخطط من أجل التنفيذ على الأرض، مستغلة وجود تلك التيارات بوفرة فى مجتمعاتنا العربية ومستفيدة من التاريخ القديم لهذه التنظيمات فى العمل من تحت الأرض مع الأنظمة التى كانت تسيطر على هذه الدول وظهورها واختفائها على طريقة لعبة القط والفأر، وتميز بعض هذه التيارات بقدر من التنظيم بفعل استراتيجيات الخداع والكذب التى تتبعها ولعل النموذج الأبرز لها كان جماعة الإخوان الإرهابية التى تغلغلت فى الطبقات البسيطة والمتوسطة فى مجتمعاتنا العربية.

كانت الثورات ضد الظلم والفساد وبعض أخطاء الأنظمة فرصة تاريخية لتلك التيارات وعلى رأسها الإخوان وأفرعها المختلفة لامتطاء أحلام البسطاء والقفز على السلطة فى العالم العربى لاسيما فى الدول التى نجحت شعوبها فى إسقاط أنظمتها الحاكمة، فجماعة الإخوان التى احترفت العمل السرى على مدار 93 سنة على استعدادا دائم لأن تكون طرفًا فى أى صفقة سياسية ستمنحها السلطة ولا تمانع من وضع يدها فى أى يد، والتحالف مع أى طرف حتى ولو كان الشيطان نفسه شريطة دعم الأخير لطموحهم فى الوصول للحكم، بغض النظر عن مصالح ومستقبل الشعوب ودونما اكتراث لفكرة الأوطان ومن هنا كانت البداية حيث أدركت القوى الكبرى التى أرادت أن تقتسم فيما بينها خيرات هذه المنطقة بنوع مستحدث من الإمبريالية العالمية أن كلمة السر لتنفيذ هذا المخطط هى جماعة الإخوان فبتمكين الأخيرة من تلك البلدان ما هى إلى سنوات قليلة وتشتعل الفتنة، وتهلك البلدان من تلقاء نفسها بفعل قوى التدمير الذاتية التى ستغذيها الإخوان، داخل تلك المجتمعات، فالإخوان منذ اليوم الأول لوجودهم فى أى سلطة يبدأون فى تصنيف الناس بحسب الولاءات هذا من جماعتى وهذا من عدوى، ومن جانبها لم تمانع القوى الخارجية التى حركت الإخوان من جحورها أن يتحدث الإخوان عن حربهم للغرب الذى يحارب الإسلام وأن يطلقون الشعارات ويروجون المظلوميات مادامت الجماعة تنفذ المتفق عليه
بنفس السيناريو الردىء وبنفس الغباء والغرور والحماقة والصلف الإخوانى، ماحدث فى مصر فى 2013 يتكرر الآن فى تونس، ومثلما نجحت مصر فى الانتصار على هذا الفصيل الظلامى، ها هى تونس الخضراء تنتفض ضد فساد وفشل وخيانة حركة النهضة الإخوانية، التى وصلت إلى الحكم بنفس الآلية وبتنسيق علاقاتها مع القوى الغربية وفى مقدمتها الولايات المتحدة.

أمام البرلمان التونسى تعالت مؤخرًا المطالبات بإسقاط الإخوان وتكررت مشاهد الاعتصامات ضد واحد من أهم معاقل الإخوان فى شمال إفريقيا، الشعب التونسى أدرك أن الإخوان هم المرض وأن التخلص منهم هو العلاج، وكانت البداية بمظاهرات ضمت آلاف التونسيين تطالب بتنحى حكومة هشام المشيشى وحل البرلمان الذى تسيطرعليه حركة النهضة، وانتقد المحتجون إخفاقات الحكومة وسط معدلات انتشار كبيرة لفيروس كورونا، أدت إلى انهيار المنظومة الصحية فى البلاد، وتجاوبا مع المظاهرات أصدر الرئيس التونسى قيس سعيد عدة قرارات مصيرية، للحفاظ على تونس من الاختطاف الإخوانى الذى كان يهدد السلام الاجتماعى، ويعبث بالمكون الثقافى للمجتمع التونسى، فأقال حكومة هشام المشيشى الفاشلة، وتولى الرئيس التونسى نفسه السلطة التنفيذية، لحين أن يعين حكومة جديدة برئيس يختاره، كما قام بتجميد كل سلطات البرلمان لمدة 30 يوما، ورفع الحصانة عن جميع أعضائه، وبناءً عليه لا يمكن لهذا البرلمان أن يمارس أى اختصاصات، إلا بقرار جديد من الرئيس التونسى يقضى بإنهاء هذا التجميد.

استند الرئيس التونسى قيس سعيد وهو بالأساس أستاذ قانون دستورى فى الجامعات التونسية إلى الفصل (80) من الدستور، والذى أعطاه الحق فى اتخاذ كل التدابير التى تحتمها الحالة الاستثنائية، والظروف الطارئة التى تمر بها البلاد، لمواجهة الأخطار المحتملة، المرتبطة بالأمن القومى للبلاد، وتهدد بنشر الفوضى، وبث الفتن بين المواطنين، ومن ثم فما اتخذه الرئيس التونسى من قرارات هو عمل دستورى بامتياز ومن يصف هذ العمل بالانقلاب فهو إما اختار أن ينضم للفصيل الإخوانى الإرهابى المخرب أو أنه جاهل ولا يدرك حقيقة ما يقول، فالرئيس التونسى مارس سلطاته مثلما يخول له الدستور بعدما عانت مؤسسات بلاده من الشلل التام فى وجود حكومة ارتضت أن تكون قطعة صلصال طيعة فى يد الإخوانى راشد الغنوشى رئيس حركة النهضة وأعوانه وحركته، يشكلها كيفما شاء فتارة يضعها فى عناد وصدام مع رئيس الجمهورية، لعرقلة كل سبل الحوار الوطنى، وتارة أخرى يضعها كعقبة أمام أى إصلاح يستهدف تحسين الأحوال المعيشية للتونسيين، وتوفير الحدود الدنيا للحياة الكريمة لهم.

جاءت قرارات الرئيس قيس سعيد معبرة عن آمال، وطموحات، ملايين التونسيين الذين يطمحون للحياة الكريمة ويحلمون بتونس جديدة تكون لهم جميعاً، كما انضم الاتحاد التونسى العام للشغل الذى يحظى بتأثير قوى فى البلاد، إلى صف الرئيس التونسى وثمن قراراته للحفاظ على استقرار البلاد

وأتوقع خلال الساعات القليلة المقبلة أن تقع صدامات بين أنصار الدولة التونسية المؤيدين للرئيس قيس سعيد وأنصار الإخوان، ولا نستبعد قيام الإخوان بأعمال إرهابية ضد المواطنين الرافضين لسيطرتهم على الحكم، حتى وإن أعلنت حركة النهضة غير ذلك فالإخوان غدارين ولا أمان لهم.

الوضع فى تونس يتشابه بنسبة كبيرة مع الوضع فى مصر عام 2013، من هيمنة إخوانية على المجالس التشريعية والحكومة ومحاولة تطبيق أجندة التنظيم الدولى فى شمال إفريقيا، كما أن راشد الغنوشى يتشابه فى تصرفاته وغروره كثيرًا مع خيرت الشاطر نائب المرشد العام للإخوان فى مصر، رغم أن البعض كان يعتقد بأن قيادات النهضة فى تونس أكثر ذكاءً من قيادات إخوان مصر، لكنه نفس التعالى وذات الرغبة فى السيطرة على الحكم التى جعلت الغنوشى يضرب بكل التحذيرات عرض الحائط.

الشعب التونسى كان يتابع عن كثب الوضع فى مصر منذ 2013 ويتطلع للاستفادة من التجربة المصرية على مدار السنوات الثمانية السابقة، ليس فقط فى قضية الخلاص من التنظيم الإرهابى ولكن أيضا فى ملف التنمية والإصلاح الاقتصادى والسياسى وتوفير الأمن والاستقرار للمواطنين، خصوصًا أن تجربة الإخوان فى تونس كانت أكثر بشاعة من التجربة المصرية فى 2013، على الصعيد الاقتصادى فتونس شهدت على يد الإخوان انهيارات عدة فى الخدمات، بعدما سعى عناصر حركة النهضة للحصول على أموال الدولة، فى الوقت الذى تواجه فيه تونس أزمة اقتصادية خانقة بفعل فشل السياسات الاقتصادية وفشل الحكومة فى التعامل مع أزمة "كورونا"، وتعانى تونس أزمة اقتصادية غير مسبوقة مع عجز مالى بلغ 11.5 % لأول مرة بنهاية 2020، بينما انكمش الاقتصاد بنسبة 8.8 % بسبب تداعيات جائحة كورونا.

الساعات المقبلة ستكون فاصلة فى مصير الإخوان فى تونس وشمال إفريقيا وكل الشواهد تؤكد أن تونس ستشهد الفصل الأخير من عمر التنظيم الإرهابى فى المنطقة العربية بأكملها، بعد 10 سنوات على ما اسموه كذبا الربيع العربى، الشعب التونسى كشف أكاذيب الإخوان وتضليلهم وسيصحح مساره وسيتحمل تكلفة ذلك التصحيح.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز