البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
فى عام 2011 وتحت شعار "سَجِّل فكرتك" أنشأ مجلس الوزراء المصرى فى حكومة الدكتور عصام شرف موقعا إلكترونيا سُمى "بنك الأفكار والمبادرات التنموية"، وعُرف وقتذاك بأنه يمثل آلية للتفاعل بين رئاسة مجلس الوزراء وبين العقول المصرية من أصحاب الأفكار الابتكارية الخلاقة والمبادرات التنموية، ويهدف إلى إشراك المواطنين والمؤسسات فى تنمية المجتمع المصرى والارتقاء به، وذلك من خلال طرح المواطنين لأفكارهم الجديدة التى قد يستفاد منها فى تنمية المجتمع المصرى، ومشروعات التطوير المبتغاه فى كل مجالات التنمية.

ليست لدى معلومات كاملة عن الدور الذى يقوم به الآن موقع "بنك الأفكار" المصرى التابع لمجلس الوزراء ولا عن طريقة عمله، فلا أسمع عنه كثيرا فى الإعلام، ومن ثم فلا أستطيع الحكم على مخرجاته خلال السنوات الماضية،  لكننى أعلم جيدا أن هناك جهودا مصرية على نطاق كبير مرتبطة بهذا الموضوع، بعضها يرتبط بالقطاع الخاص والشركات متعددة الجنسيات، وكلها لها علاقة بالاستفادة من التطور التقنى فى مجال الاتصالات وشبكة المعلومات الدولية فى طرح أفكار وابتكارات جديدة من شأنها تطوير العمل فى هذه الشركات وهذا أمر محمود بكل تأكيد، وربما يقترب من التعريف المتداول عالميا لـ"بنك الأفكار" فهو- وفقا لدليل مصطلحات هارفارد- مصطلح يعبِّر عن مورد مشترك متاح على نطاق واسع، يُناقش فيه الناس أفكارهم الجديدة ويتبادلونها وينقحونها ويطورونها وينشرونها، ودخلت الفكرة بالفعل حيز التنفيذ بالانتشار الرهيب لشبكة الإنترنت فمن خلالها دشنت مواقع كثيرة لبنوك أفكار متنوعة خاصة بكيانات اقتصادية وشركات أعمال وغيرها.

كما سبقت بعض الحكومات الأوروبية فى الربع الأخير من القرن العشرين فى تدشين بنوك أفكار خصوصا بعملية صناعة السياسات العامة وتأسيس منصة لتطوير تقنيات أو أفكار يستفيد منها صانع السياسة العامة فى بعض مراحل تلك العملية منها على سبيل المثال مرحلة جمع البيانات، وكذلك دراسة مخرجات السياسة وأثرها على توجهات الأفراد.

سأطرح هنا تصورى المتواضع فى هذا الاتجاه أو ما أتمناه كمواطن مصرى محب لبلده، لا أبالغ إذا قلت إننا فى حاجة لوزارة كاملة لهذا الغرض، نعم وزارة يكون اسمها "وزارة الأفكار" ولمَ لا؟ فالعالم من حولنا يدشن وزارات بمسميات وأهداف جديدة تستهدف فى المقام الأول الإنسان والاستفادة من مقدرات وتراث وحضارة هذه الدول، إليكم على سبيل المثال وزارتى "السعادة"  و"الذكاء الاصطناعى" فى دولة الإمارات، و"وزارة المناجم" فى الإكوادور، و"وزارة الحبوب" فى الصين، ووزارة "اليوجا" فى الهند.

فى تصورى أننا فى مرحلة بناء الدولة المصرية الحديثة يجب أن لا نتعامل مع الأفكار عبر مجرد بنك يمثله موقع إلكترونى على الإنترنت، وليس معنى كلامى التقليل من دور التكنولوجيا، ولا أطالب بوقف أو التقليل من الاستعانة بالإنترنت، ولكن أريد أن يكون لدينا كيان رسمى كبير لا يقل عن كونه وزارة  فى الحكومة لها  صلاحيات أكبر، وتمتلك قوة اتخاذ القرار وتحظى بالصفة الرسمية لدى المتعاملين معها  تستطيع أن تحول آلية التعامل مع الأفكار من مجرد موقع إلكترونى يستقبل هذه الأفكار إلى فاعل سياسى يبحث عن الأفكار، ولا ينتظر أن تأتى إليه فى بريد إلكترونى ويكتشف الموهوبين والمخترعين فى الداخل والخارج، فى القرى والمراكز وفى المدن والحضر، وفق خطة مدروسة بعناية و بطرق عدة مبتكرة ليس أقلها التحفيز والمسابقات والجوائز، وأنا هنا أقصد تماما استخدام مصطلح "فاعل سياسى"، فأى وزارة لها دور سياسى وتساهم فى تنفيذ سياسات الدولة فيما يخصها، ومن ثم نتذكر دائما مصطلح أن الوزير منصب سياسى و الفاعل السياسى يملك سلطة اتخاذ القرار.

أحلم أن تكون لدينا وزارة للإفكار فيها هيئات لكل فروع العلوم والأنشطة والخدمات وكل هيئة تستقبل وتبحث وتناقش وتطور الأفكار فيما يخصها، وكل فرع من العلوم يضم نخبة من صفوة العلماء فى هذا التخصص لدراسة تلك الأفكار وتحديد الأصلح منها والتواصل والتنسيق مع أصحابها لبحث آليات تنفيذها، واستقبالهم لمناقشتها فى مقر الوزارة بحيث لا يكون التواصل قاصرا على المراسلات الإلكترونية، على أن يكون لكل هيئة أيضا مكتب خاص فى المحافظات لديه نقاط فى مراكز وقرى كل محافظة، فالعقول المصرية بإمكانها فعل المستحيل لو أتيحت لها الفرصة.

كما أحلم  بهيئة خاصة داخل هذه الوزارة لمخاطبة المصريين فى الخارج و التواصل معهم على اختلاف تخصصاتهم فمنهم نوابغ نجحوا خارج الوطن و يشار إليهم بالبنان، لماذا لا نستفيد من علمهم وخبراتهم وتجاربهم؟  ثم تعود كل هذه الأفكار من كل الهيئات بعد مناقشاتها المتخصصة إلى هيئة أخرى تتبع الوزارة تكون مهمتها إجراء دراسات الجدوى الاقتصادية ومناقشة التكلفة والعائد المجتمعى من الفكرة بالتنسيق مع المختصين وآليات التنفيذ، ووضع خطط العمل مع الوزارات الأخرى المعنية بتلك الأفكار وفق جدول زمنى يحقق أقصى استفادة ممكنة، لاسيما أن هناك أفكار تفقد أهميتها إذا لم تنفذ فى حينها، أتصور أنها وزارة إبداعية أكثر من كونها هيئة حكومية.

كما أحلم أن تقيم هذه الوزارة شراكات مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدنى والمنظمات غير الهادفة للربح، لحشد كل الجهود الرسمية وغير الرسمية الإلزامية والتطوعية.

هل يعقل مثلا أن يتجاوز تعدادنا السكانى 100 مليون نسمة غير المصريين فى الخارج، ولا يكون لدينا يوميا على الأقل فكرة واحدة من كل محافظة وفكرة من أبنائنا فى الخارج  صالحة للتنفيذ والاستفادة منها؟! بلادنا ذات التاريخ والحضارة والخيرات الوفيرة بما تملكه من مقومات جذب سياحى، وبعد ما تم من مشروعات قومية وشبكات طرق وبنية تحتية تحدَّث عنها العالم، وبعد تجربة الإصلاح الاقتصادى الناجحة أصبحت جاذبة للاستثمارات وبيئة خصبة للابتكار.

المسألة فى رأيى أكبر من مجرد موقع إلكترونى على شبكة الإنترنت يدخل إليه الناس - من رغب منهم - ويستقبل أفكارهم عن طريق متطوعين أو أشخاص يقومون بهذا العمل بجانب أعمالهم الأساسية أو أشخاص غير مؤهلين لهذه المهمة.

الحديث عن وزارة للأفكار فى رأيى يحول الفكرة من مجرد عمل عادى يغلبه الصفة التطوعية إلى واجب وطنى يصاحبه إلتزام وضوابط وأدوار محددة يؤديها أشخاص متخصصون، هذه وظيفتهم يتقاضون عنها أجرا ويتواصلون مع أبناء الوطن فى الداخل والخارج مما يجعلنا جميعا شركاء فى تقدم وازدهار بلادنا، وهى تخطو خطوات عظيمة على صعيد البناء والتنمية والتقدم الاقتصادى، فكل مجد عظيم هو فى بدايته فكرة وجدت من يتنبناها ويرعاها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز