د.حسام فاروق
الناس فى الواقعين الحقيقى والافتراضى يتحدثون فى السياسة مثلما يتنفسون، فى الشارع والمواصلات والهيئات والمؤسسات العامة والخاصة والأسواق يتحدثون فى السياسة ويطرحون رؤيتهم للقرارات والسياسات العامة وكل شخص يصدر كلامه بجملة "والله أنا لو مسؤول هاعمل كذا و كذا"، وفى الواقع الافتراضى على مواقع التواصل الاجتماعى امتلأ الكون بالساسة والفلاسفة والمفكرين والمنظرين، يتحدثون عن كل شيء بداية من صلاحيات الحاكم وحتى سعر رغيف الخبز، لا أحد يعرف مؤهلاتهم للحديث فى أى موضوع يطرحوه، معظمهم ينحصر تاريخه السياسى فى بعض المنشورات على "فيس بوك وتويتر" وبعض فيديوهات يوتيوب مع بعض الصور لجلب الزبائن، وبعضهم لم يكمل تعليمه لكنه يرى فى نفسه المقدرة على إدارة المرافق وصنع السياسات الداخلية والخارجية.
حالة لا متناهية من الفراغ تبرز معها أنشطة أخرى اتفق على تسميتها بالعامية المصرية "هري" و"هبد"، والدولة دائما فى نظر هؤلاء "الهبيدة" فى موقع تقصير ولا تفعل ما يرضى سيادتهم وهم جلوس على مقاعدهم أمام لوحة مفاتيح الكمبيوتر أو فى أثناء تحريك أصابعهم على هواتفهم النقالة.
فى عالم ليس بإمكانك التحقق من هوية المتحدث، فأنت وسط غابة من الكذب، والكل بإمكانه أن يفتى فيما لا يعلم، ناهيك عن كتائب المكائد التى تنشط من الخارج ليل نهار عبر مواقع التواصل الاجتماعى والبث المباشر على يوتيوب بأجندات سياسية بغرض تمرير مخططات خبيثة تحت مسمى الحديث فى السياسة، وبالطبع سياستهم لابد أن يصاحبها مفردات ومصطلحات بهدف التشكيك والترويج لوقائع وأحداث لا علاقة لها بالواقع على الأرض.
لست ضد أن يتحدث الناس فى السياسة، وأنا كدارس للعلوم السياسية وكان تخصصى الدقيق فى الماجستير "السياسات العامة"، أرى أن السياسة موجودة فى كل شيء، فى الأكل والشراب والملبس، فى كل مناحى الحياة اليومية، السياسة من وإلى الشعب بالفعل، والشعب شريك فى صنع السياسة عند مرحلة معينة منها ولكنى أطالب بأن يعرف كل شخص موقعه ودورة وإمكاناته، فهناك فرق كبير بين أن تكون معنيا بالسياسة باعتبارها تستهدفك وتنظم حياتك، وبين أن تكون فاعلا سياسيا لديك الموقع المسؤول والقدرة على صنع السياسة واتخاذ القرار، فالأخير صانع للسياسة، أمضى مراحل عدة حتى وصل لهذه المرحلة وأهلته قدراته وخبراته ليجلس فى منصب صانع السياسة وهو يعرف جيدا كيف ومتى وأين يتخذ القرار، ولديه جهاز معاون يمده بالمعلومات الدقيقة والكثيرة ومن ثم فعليه وحده تقع المسؤولية.
ليس من المنطق أن تتحول مواقع التواصل الاجتماعى لمنصات انتقاد للسياسات العامة بسبب وبدون سبب، وليس من المقبول أيضا أن يتحول الكلام فى السياسة إلى مهنة من لا مهنة له، فقط لمجرد أنه وجد منصة تتيح له أن يكتب ما يشاء وقتما يشاء من دون رقيب أو حسيب تحت مسمى سياسة، فقط لأنه لم يجد من يوقفه ويقول له مثلما قال حنفى لـ مزيكا: "دى سياسة أمك".
صانع السياسة يستفيد من المستهدف بالسياسة فى مرحلتين، الأولى مرحلة جمع المعلومات قبل اتخاذ القرار والثانية مرحلة قياس رد الفعل بعد اتخاذ القرار، وهذا ما يعرف بالتغذية الراجعة، حيث يقوم صانع السياسة بدراسة تأثير مخرجات السياسة على الناس وبين المرحلتين السابقتين تفاصيل ودراسات كثيرة لكل الأبعاد المادية والمعنوية والزمنية يقوم بها مختصون لديهم القدرة والمسؤولية، وبناء عليه ففكرة التنظير على صانع السياسة بحجة أن كل ما هو سياسيا مطروح للنقاش من باب المشاركة السياسية قول مغلوط تحت عناوين براقة لجذب المتابعين، فالمشاركة السياسية نشاط يرمز إلى مساهمة المواطنين ودورهم فى إطار النظام السياسى بقصد التأثير فى عملية صنع القرار، وهى من أشكال الممارسة السياسية بالفعل، لكنها تتعلق حتما ببنية النظام السياسى وآليات عملياته المختلفة، وكما قلنا محددة بالأدوار.
أما النقاش ففائدته نقل الصورة لصانع السياسة وليس الطعن على طول الخط فى أى قرار يتخذ، وليس خفيا أن هناك سياسات غير قابلة للنقاش على الملأ، وسياسات غير معقول أن تفتح للعامة على السوشيال ميديا وكأنها مزاد علنى الكل يدلى بدلوه، هذا اسمه عبث وليس مشاركة سياسية، كما أن جميع المصالح الحكومية الآن لديها مراكز تتلقى المقترحات والشكاوى وردود الأفعال، وتتجاوب مع المواطنين حينما يكون هناك إجماع خاص بمردود سياسة معينة، والمواطن لديه كامل الحرية فى مراسلة أى مصلحة حكومية بالبريد الإلكترونى أو حتى التواصل تليفونيا، ومعظم المصالح الحكومية لديها الآن خط ساخن للطوارئ والاتصال فى أى وقت، وهذا فى حد ذاته يعنى عدم السلبية من جانب صانع السياسة ويُشعِر المواطن العادى أن الشؤون العامة والقرارات السياسية ترتبط بحياته ووجوده تأثيراً وتأثراً.
رغم كل ما يقال عن أن العالم الافتراضى الذى بات يعج بمواقع التواصل الاجتماعى هو عالميا خارج عن السيطرة، ومن الصعوبة بمكان ضبطه، إلا أننى لن أمل المطالبة بهذا الضبط، حتى لو تطلب الأمر سن تشريعات جديدة وإصدار قوانين تنظم عمل ومحتوى هذه الوسائل بالتعاون مع جميع الهيئات والوزارات المعنية كالمجلس الأعلى للإعلام ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، والضبط ليس معناه التضييق على حرية الرأى لأننى أعلم أن هناك من سيتهمنى بأننى أنادى بقمع حرية التعبير، وهذا غير صحيح، أنا مع حرية الرأى والتعبير لأبعد مدى شريطة أن يدرك صاحب الرأى ما هو رأى بالفعل وما هو دون ذلك، ولا يخرج عن نطاقه ويلتزم بضوابط الحرية المسؤولة، وأن يتحدث فيما يفهم ويجيد ويترك ما لا يعنيه وأن لا يروج للشائعات التى من شأنها تكدير السلم المجتمعى، أنا باختصار أطالب بحماية عملية صنع السياسة من عبث وهرطقة ومؤامرات السوشيال ميديا.