البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
المشهد الإنسانى فى أفغانستان صعب وقاس على النفس، أن ترى الناس يفرّون بحياتهم، تاركين بيوتهم وكل ما يملكون خوفا من سلطة تحكمهم، لدرجة أنهم يطلبون الحياة تعلقا ولو بالموت، هذا ما شاهدناه قبل أيام عندما خرج الأفغان يطاردون الطائرات الحربية الأمريكية ويتعلقون فى أجنحتها وعجلاتها، طلبا فى الغوث والهروب إلى مكان آخر بعيدا عن جحيم طالبان التى عادت للحكم بعد 20 عاما فى ظل تهاوى سريع للسلطة الأفغانية وهروب رئيسها ودهشة العالم لما حدث!

كم هو مؤلم أن يفضل الإنسان الغربة، والتشرد، هربا من حكم ثيوقراطى يطبق تفسيراته الدينية التى على مقاسه فى كل شيء ويصنف الناس هذا من شيعتى له الكرم وهذا من عدوى يهدر دمه متبعا أقسى أشكال العقاب، وفى الوقت الذى يتحول فيه العالم أجمع إلى عالم رقمى، تجد هؤلاء يحرمون الحياة ويمنعون كل أنواع الرفاهية عن الجميع، والشعب الأفغانى كأى شعب فى الدنيا، الأغلبية العظمى منه ترفض حكم طالبان بكل صوره، وتبحث عن مشروع أفغانى مدنى حداثى يتجاوز ثنائية الهيمنة الأمريكية وطالبان.

المشهد السياسى محير، وملتبس، كيف بعد 20 عاما من الوجود الأمريكى بكل عتاده و"صيته" يخرج الأمريكان هكذا دونما شروط؟! وتدخل طالبان العاصمة الأفغانية كابول دون قتال!، وتنتقل من حركة مسلحة تحارب الحكومة والقوات الأمريكية إلى سلطة فى سدة الحكم؟!

يبدو فى الأمر شىء خفى أو بالأحرى تفاهم أو صفقة فى الخلفية، غير معلنة، بين حركة طالبان والإدارة الأمريكية الحالية ولهذا التفسير مبررات كثيرة أبرزها مثلا قبول طالبان بخروج الدبلوماسيين والموظفين الأجانب دون مشاكل، وإعلانها أنها ستضمن الأمان لكل من يبقى داخل العاصمة، وتعهدها بأنها لن تكون دولة مارقة أو راعية للإرهاب وسوف تحترم حق المرأة فى التعليم والعمل وفى المقابل تدخل كابول دون قتال، رغم أن طالبان نفسها قبل 20 عاما وعندما كانت تحكم كإمارة إسلامية حرمت تعليم وعمل المرأة ومارست كل ألوان العنصرية ضدها ومن ثم فجسور الثقة متهاوية ومن غير المتوقع أن تتغير طالبان، ولا بعد 100 سنة إضافية، فمثل هذه الحركات والتنظيمات تحكم وفقا لعقيدتها وقناعاتها، ومن غير الوارد بهذه السهولة أن تتحول إلى حركة لطيفة و"كيوت" .

كيف بعد 20 عاما تعلن أمريكا الانسحاب بما يعنى الفشل فيما كانت تسميه الحرب على الإرهاب؟، وهذا ما أراه أيضا فشل للمشروع الأمريكى الذى قاده جورج بوش الابن تحت مسمى "دمقرطة العالم" وفرض النموذج الأمريكى خارج الحدود ومحاولة زرعه فى بيئة محلية دونما اعتبار للظروف المجتمعية والاقتصادية والجغرافيا البشرية للسكان التى حتما سوف ترفض القولبة الأمريكية مثلما ترفض الإرهاب الطالبانى.

ما حدث يجعلنا نستنتج أن الوجود الأمريكى فى أفغانستان طيلة الـ20 عاما، ربما لم يكن هدفه الأساسى القضاء على الإرهاب بقدر ما هو احتوائه أو تحجيمه مع الاحتفاظ بفكرة استخدامه مستقبلا لإحداث توازنات فى المنطقة تخدم المصالح الأمريكية، ومن ثم فلا أستبعد مثلا أن تتعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع طالبان على أنها ورقة لعب جديدة بإمكانها توظيفها فى الصراعات الإقليمية بالمنطقة، لاسيما فى ملاعبة إيران.

الفارون بحياتهم من جحيم طالبان يؤكدون على الخوف الأزلى المترسخ عبر قرون من الثيوقراطية أو الدولة الدينية، طالبان التى تحكم باسم الدين فى الأيام الأولى لها أطلقت تهديد ووعيد وأطلقت الرصاص على مواطنين فى جلال أباد وقتلت ثلاثة أشخاص عقابا لهم لعدم امتثالهم للأوامر، ولذلك نقول أن ما تحاول طالبان خلال الساعات الماضية تصديره للعالم على أنها لن تكون دولة مارقة، كلام فى الهواء.

الإشكالية دائما تكون فى القلق الحتمى لربط الدين بالدولة وهذه جدلية قائمة تبدأ ولا تنتهى، جعلت ملايين البشر حول العالم منقسمون ومستقطبون على مر التاريخ الذى شهد صراعات وحروبا كبيرة وواسعة بين الأصوليين الدينيين والعلمانيين الداعين إلى إبعاد الدين عن الدولة.

فى منطقتنا العربية على سبيل المثال وبعد 2011 كانت هناك محاولات مشابهة أملا فى الوصول لهذا المشهد القاسى فى أفغانستان، حيث تجددت الدعوة إلى قيام دولة دينية، عبر تيارات إسلامية قفزت إلى السلطة فى تونس ومصر، حيث رفعت جماعة الإخوان الإرهابية شعارها "الإسلام دين ودولة"، وهو شعار يخص فقط الإخوان كتنظيم سياسى يستخدم الدين وسيلة للوصول للسلطة معتمدا على الترهيب والترغيب على غرار "من قال لنا نعم" هو فى الجنة و"من قال لنا لا فى النار " و"غزوة الصناديق".

سيد قطب فقيه الدم والأب الروحى للعنف الإخوانى كان يستنكر دائما فكرة فصل الدين عن الدولة ويقول أن المطالبين بها يستندون لمنطق استعمارى غربى قائم على فصل الكنيسة عن الدولة، لكن الواقع الذى رسخته هذه التنظيمات الإرهابية "الإخوان وغيرها" هو التكريس لفكرة التقديس التى سعوا إلى إقحامها فى الثقافة الإسلامية، لدرجة أنها كانت تضع من تسميهم علمائها فى مصاف الصحابة وتقدم مبدأ السمع والطاعة على فكرة الحوار، فكلنا شاهدنا بمصر فى أثناء الاعتصام المسلح لإرهابيى الإخوان فى ميدان رابعة العدوية كيف صعد شخص ليحكى أنه رأى فى المنام أن جبريل عليه السلام موجود فى رابعة وأن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام طلب من المعزول مرسى أن يؤم الناس فى الصلاة وغيرها من حكايات وصلت من الهرطقة مداها.

هذا الفريق من الإرهابيين الذى يضم مطاريد الإخوان والجماعات المنبثقة عنها كانوا الأكثر احتفالا بعودة طالبان، حيث بادرت الهيئة المسماة بالاتحاد العالمى لعلماء المسلمين ومقرها الدوحة بإصدار بيان مسجل لتأييد طالبان، اعتبر ما قامت به الحركة نصرا عزيزا للإسلام، وطلت رؤوس بغيضة عبر تويتر تدعم وتؤيد، فالإرهابى عاصم عبد الماجد نشر على حسابه معتبرا ما تفعله وستفعله طالبان هو شرع الله وعلى نفس الخط سار وجدى غنيم وغيره من رموز الإرهاب.

لا أتصور أن المرحلة المقبلة ستكون هادئة وعلينا أن نترقب تداعيات أكبر، ولا أستبعد الضرر الذى قد ينتج عن إعادة تموضع الإرهاب فى المنطقة بما يعطى ولو دفعة معنوية للفروع الأخرى لكل الحركات الإرهابية، الأمر يتطلب الاستعداد لفصل جديد من التعامل مع الإرهاب، الموقف الأمريكى العجيب والمحير والمقلق يؤكد أن الدول التى تواجه الإرهاب يجب أن تعتمد على نفسها فقط ولا تنتظر مساعدة من أمريكا أو غيرها، فمواجهة الإرهاب، مسؤولية وطنية بحتة، ويجب أن يرسخ لذلك فى الإعلام ويدرج فى المناهج الدراسية.

وصول طالبان لحكم أفغانستان مرة ثانية يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أننا أمام حقبة جديدة للإرهاب بنسخة جديدة هى الأكثر خبثا فى سجل الجماعات المتشددة، لأنها تتعامل مع الإعلام والرأى العام العالمى وتستخدم الحروب الدعائية وتحظى برعاية أو على الأقل قبول أمريكى، وأوروبا تبدى استعدادا للتعامل معها حتى ولو أعلنت بأن لها شروطا لذلك، ففى الأخير ستتعامل طالما تعاملت أمريكا.

هذا التطور بلا شك سوف يمثل ظهيرا وسندا ميدانيا لمختلف الجماعات الإرهابية التى فرحت بالعودة مثل القاعدة وداعش والإخوان ولا نستبعد أن تستضيف أفغانستان قريبا قادة هذه الجماعات للتواصل والتنسيق مع قادة طالبان "المنتصرين على العالم المتمدن" وعلى شعار أمريكا بالحرب على الإرهاب.

لا أحد ينسى سجل طالبان فى حقبة ما أسمته بالجهاد فى السبعينيات أو الذين ذهبوا للجهاد وتدربوا وحاربوا فى أفغانستان ثم عادوا قادوا جماعات لتدمير أوطانهم ومنهم عرب كثر، للأسف مشاهد كثيرة مخيفة قابلة للتكرار إن لم ننتبه.

أخيرا أقول أن هذه المشهد المؤلم فى مطارات كابول وفى قصر الرئاسة ومؤسسات الدولة الأفغانية كانت بلا شك ستحدث فى مصر على يد جماعة الإخوان الإرهابية لولا أن الله أراد لهذا الوطن الخير بأن وهبه جيش فيه خير أجناد الأرض وقف إلى جانب ثورة الشعب العظيمة فى 30 يونيو 2013، وقائد مخلص فدى الوطن بروحه وانتصر لإرادة الملايين من المصريين الذين ثاروا حتى لا نرى هذا المشهد المؤلم المتكرر فى أفغانستان الآن، حفظ الله مصر وجيشها وشعبها وسدد خطى قائدها لما فيه الخير والصلاح.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز