البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
يعد استخدام المصطلحات فى غير موضعها أحد أبرز الأزمات التى يصدرها الإعلام للناس وللرأى العام سواء عن عمد أودون قصد.

ومثل هذا الخطأ الذى ربما يبدوغير ملحوظ، قد يتسبب بالتراكم فى تكوين ثقافة مغلوطة تثير الجدل وتشغل البشر فى أمور لا خير فيها ولا منطق وقد يترتب عليها لاحقا إشعال فتن، لاسيما حين يتم الترسيخ لمفاهيم مغلوطة لتلك المصطلحات لدى قطاع عريض من الشباب المتعصب من محدودى الثقافة عبر الإعلام الجديد المتمثل فى وسائل التواصل الاجتماعى "السوشيال ميديا".

الثابت أن تكون لدى الأمم والشعوب أولويات راسخة فى التعامل مع المصطلحات لاسيما تلك التى تتصل بالأوطان، فهذا فى رأيى جزء من وعى وثقافة الناس عبر الأجيال ويرتبط ارتباطا وثيقا بالتنشئة بأنواعها المتعددة، السياسية والاجتماعية والثقافية ويقع العبء الأكبر فى هذه المهمة على وسائل التنشئة المختلفة ولعل أبرزها الآن وسائل الإعلام على تعدد واختلاف أشكالها، لما هوملحوظ من تعاظم تأثير الإعلام بفضل الثورة التكنولوجية فى مجال الاتصال ودخول العالم عصر السموات المفتوحة والرقمنة، هذا إلى جانب وسائل التنشئة التقليدية، الأسرة والمسجد والكنيسة والمدرسة والجامعة والنادى وقصور الثقافة.

فى صغرنا علمونا أن الوطن فوق الجميع نفديه بأرواحنا ومن أجله ضحى الآباء والأجداد وروى ترابه بدماء الشهداء من أبنائه، ومن ثم فلا شيء مهما كان وأكرر مهما كان فوق الوطن، وعلمونا أيضا أن الدولة لها شعب واحد ولا تنسب كلمة شعب لغير الدولة ولا تنسب كلمة دولة لأى كيان آخر من قبيل المجاملات، وفى أول درس من دروس التربية القومية فى المدرسة الابتدائية علمونا أن مفهوم الدولة ينبع من ذاك المثلث المترابط الأضلاع وهوالشعب والحكومة والإقليم، الأضلاع الثلاثة يرتبطون ارتباطا وثيقا ببعضهم ولا ينفكون حتى يسمى الشعب شعبا والدولة دولة، علمونا أن نحترم مؤسسات الوطن لاسيما تلك التى تحمى الأرض وتصون العرض ولا ندخلها فى مقارنات مع أى مؤسسات أخرى أقل فى القيمة والدور وأن حب الوطن فرض، ومهما كانت اهتمامات وانشغالات الأفراد بأشياء من قبيل التسلية والمتعة فهذا لا يعطيها الحق أن تقارنها بالأوطان ومؤسساتها
[فى السنوات الأخيرة لاحظنا أن جمهور كرة القدم فى مصر وعلى اختلاف انتماءاته وولاءاته بات هدفا للإعلام بشكل فيه الكثير من المبالغة مما جعل صناع الاعلام على اختلاف أنواعه وأشكاله يتبارون فى المنافسة ويحولون الصحافة الرياضية إلى سلعة جاذبة بالعناوين والمصطلحات التى تشعل الجماهير هنا وهناك لاسيما فى ظل وجود " السوشيال ميديا" التى تعيد تدوير الحدث أكثر من مرة بأكثر من طريقة ومع توفر صحافة الفيديو تحولت المسألة من تغطية وتحليل مباريات إلى مباراة فى إطلاق المصطلحات والمسميات والمكايدات التى قد تستخدم الشتائم والألفاظ التى لا تليق دونما التفات إلى خطورة ما يستتبعه ذلك على المجتمع.

فى فناء مدرستى الابتدائية بقرية الطويلة مركز فاقوس محافظة الشرقية كان الجدار مكتوب عليه فى أكثر من موقع بالبنط العريض بخط الأستاذ "عبده سكر" مدرس الرسم رحمه الله عبارة "الوطن فوق الجميع" ثم عبارات متفرقة بخط أصغر فى الطرقات الجانبية كان من بينها "الرياضة أخلاق"، للأسف الآن نسمع فى الإعلام ويردد مشجعوكرة القدم عبر السوشيال ميديا مصطلحات غريبة من عينة "الأهلى فوق الجميع" و"شعب الزمالك" و"يا أهلى يا دولة" و"جمهورية الزمالك"، وبمنتهى الحيادية وبعيدا عن الأهلى والزمالك فلا الأهلى دولة ولا الزمالك جمهورية ولا شعب لأى منهما والأهلى والزمالك وجمهورهما كلهم بلا استثناء تحت الوطن والوطن فقط هوالذى فوق الجميع، وللأسف يسلك فريق من صناع الإعلام الرياضى مسالك تخلومن الأخلاق الحميدة للرياضة عبر تسخين الجماهير من الجانبين، لنشهد ليل نهار حفلات من الشتائم والسباب عبر "السوشيال ميديا" ويصل بنا الحال لأن نرى على الشاشات مشاهد البصق والمشاهد الخارجة من اللاعبين ونسمع بأذنينا هتافات الجماهير التى وصلت فى بعض الحالات إلى العنصرية والخوض فى الأعراض!!، ثم نجد مباريات بين بعض الإعلاميين على طريقة خناقات النواصى فى الحارات الشعبية كل منهم يقدم وصلة من المكايدة لا علاقة لها بالإعلام ولا بالأخلاق يدافع فيها عن نادية ويكيل الاتهامات بشكل مباشر أوغير مباشر للنادى المنافس، ويطل علينا أحد الإعلاميين عبر صفحته على فيس بوك ليضع أحد الأندية الرياضية بجوار مؤسسات الدولة السيادية الحامية للأرض والعرض فى وصلة مديح كل الهدف منها أن يضم ناديه إلى مؤسسات الدولة المهمة وكأنه واحد منها ولا فرق بينه وبينها فى الأهمية والمهام!! وتصل الأزمات التى أثيرت على مدار الساعات الأخيرة فى كرة القدم المصرية بسبب شعار أحد الأندية إلى ساحات القضاء؟!

السؤال: هل هذه وظيفة الرياضة؟! وهل هذا ما ننتظره نحن الجماهير منها ومن تشجيعها؟! أن تتحول من مجرد لعبة للتسلية والمتعة إلى مادة للانفلات الأخلاقى والأزمات، والتطاول من هنا وهناك!! وهل وصل بنا الخلل فى تقييم والأولويات إلى أن نجد من يرفع ناديه فوق الجميع!!ومن يسمى ناديه بالجمهورية!! ومشجعيه بالشعب!!

اسمحوا لى أن أقول إن كل هذا عبث وانعدام للمسؤولية يسأل عنه أولا الإعلاميون المروجون للمصطلحات المغلوطة والمثيرين للفتن من هنا وهناك، وبعد ذلك يسأل الجمهور المندفع وراء حماسة للعبة، فيتناسى أنه فى وطن كبير يشهد مرحلة بناء وإزدهار يراقبها العالم أجمع ويشيد بها وأنه " المواطن" مسؤول عن ترتيب أولوياته إذا كان قد حدث لديه التباس وخلل فى ترتيبها، وأخيرا أرى أن منظومة كرة القدم فى مصر برمتها تحتاج قبل أى شيء أن تفعل مصطلح "الرياضة أخلاق" وتمنع غيره من المصطلحات المغلوطة سابقة الذكر، ولابد من التأهيل النفسى للاعبين وللجمهور فى وقت واحد، فيما يخص اللاعبين لا أستبعد أن تستعين الأندية بأطباء نفسيين لتأهيل لاعبيها، أما الجمهور فمسئولية تأهيله وتوعيته تقع على عاتق الإعلام والذى أرى أن للمسؤولين عنه فى مصر دور مهم أيضا فى مراقبة مشعلى الفتن ومروجى الأكاذيب عبر مواقع التواصل الاجتماعى واتخاذ إجراء قانونى معهم ليكونوا عبرة حتى يعاد الانضباط وتوضع الأمور فى نصابها الصحيح.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز