د.حسام فاروق
لم أعرف وقتها هل كلمة الزعيم ضمن اسمه أم لقب، فاعتبرتها اسمه وكنت كلما سألنى أحد من أطفال قريتنا عن الصورة التى تبدو واضحة للمارة، لأنها فى مواجهة شباك كبير يطل على الشارع الرئيسى أقول له بمنتهى الثقة: إنه الزعيم، ومرت السنون بالمزيد من التفاصيل وكل يوم يمر يزيدنى معلومات عن صاحب الصورة والجمال الذى يحمله قلب وعقل وسيرة جمال.
ظلت الصورة معلقة لعقود بعد موت صاحبها، وموت صاحب الدار "والدى" رحمه الله، وتهدمت المندرة مثلما تهدمت منادر وبيوت القرية التى بنيت بالطوب اللبن لتحل مكانها عمائر أسمنية جامدة خالية من الحنين، احتفظت أنا بالصورة إلى الآن، أخذتها معى إلى كل مدينة عشت فيها، صاحبتنى الصورة فى الإسماعيلية لعشر سنوات تقريبا وكنت حين أسمع صوت السفن المارة فى قناة السويس أحدث الصورة مبتسما وأقول: "يعيش صاحب الصورة الذى أمم القنال"، وكنت كأنى أسمع الصوت قادما من الصورة يعلن قرار التأميم: " قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية".
بالرغم من أننى ولدت بعد رحيل عبد الناصر بعامين إلا أننى كملايين غيرى من المصريين والعرب تعلقت بعبد الناصر وأخذت أقرأ كل ما كتب عنه، ومثلما احتفظت أنا بصورته ميراثا عن والدى، فالملايين من العرب مازالوا يرفعون صوره فى المناسبات المختلفة حتى الآن.
ومع كثرة القراءة عن الرجل يتكشف لى رابط قوى أراه كان مؤثرا جدا فى مسيرة جمال عبد الناصر، وهو العلاقة بين عنصر الزمن وحجم المسؤوليات التى تولاها، فعبد الناصر الذى مثل الحلم لأمة جديدة كانت تريد إعادة كتابة التاريخ، كان هو الشباب لها.
فالفتى ذو الأصول الصعيدية والذى ولد فى حى المنشية بالاسكندرية عام 1918، وقاد ثورة يوليو عام 1952 وعمره 34 عاما، وتولى رئاسة الجمهورية عام 1954 وعمره 36 عاما، وأمم قناة السويس فى عمر 38 عاما، يبدو أنه كان يحمل جينات القيادة وكاريزما الزعماء منذ الصبا والشباب.
وأتذكر فى هذا السياق ما كتبه جاى بوير بيل أستاذ التاريخ الحديث بجامعة هارفرد فى كتاب "الإرهاب من الصهيونية Terror Out of Zion" الذى نشر عام 1977 عن لواء مصرى فى حرب 1948 قوامه 4000 مقاتل - بما يعادل ثلث القوات المصرية التى اشتركت فى الحرب - محاصر بالكامل فى الفالوجة بقيادة الأميرالاى السودانى سيد محمود طه الذى كان يدعى"النمر الأسود".
وتعرض فيها لشخص جمال عبد الناصر، قائلا إن إيجال ألون قائد القوة اليهودية التى حاصرت اللواء المصرى، أرسل مندوبا له مع مرافق من الأمم المتحدة، لإقناع المصريين بالاستسلام، واجتمع مندوب إيجال ألون أولا بمندوب عن قائد اللواء.
وكان الصاغ جمال عبد الناصر حسين، الذى بدا قويا وعنيدا ولم تكن نظرات عينيه إلى المندوب اليهودى –بحسب جاى بيل- تشير أبدا إلى أى نوع من الضعف أو الاستسلام، ورتب المندوبان اجتماعا بين القائدين المصرى واليهودى وطلب الأخير من الأول الاستسلام لعدم وجود أمل، وفى الأخير تمكنت القوات المصرية من الانسحاب بكامل عددها وعدتها، فكان الخيار الأكرم والأسلم هو الانسحاب بدلا من الاستسلام، كتب جاى بوير بيل عن شخصية عبد الناصر القيادية فى هذه الواقعة وفقا لما نقل عن القائد اليهودى إيجال ألون الذى أصبح لاحقا نائبا لرئيسة الوزراء جولدا مائير.
حصار الفلوجة رسخ لدى جمال عبد الناصر قناعة مفادها أن الدولة المصرية فى حاجة إلى تحقيق نهضة فى مختلف المجالات سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وأن هذه النهضة لم تكن لتتحقق إلا بالتغيير.
وهذا الأخير لن يحدث فى ظل استمرار الأوضاع السياسية على حالها والتى انتهت بالبلاد إلى الهزيمة فى حرب 1948 وشرع عبد الناصر وقتذاك فى تشكيل تنظيم الضباط الأحرار، والذى شكل فيما بعد مجلس قيادة ثورة 23 يوليو سنة 1952، والتى جاءت بمجموعة من القوانين والقرارات من شأنها تحقيق حلم عبد الناصر فى الدولة القومية، فكانت مجانية التعليم وقوانين الإصلاح الزراعى وتوسيع الرقعة الزراعية إلى الضعف تقريبا.
فوفقا لإحصائيات البنك الدولى امتلك صغار الفلاحين 4 ملايين فدان بحلول عام 1967 مقارنة بـ2 مليون فدان قبل ثورة 23 يوليو 1952، وحققت مصر الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الاستراتيجية المصرية عدا القمح الذى حققت منه 80%، وبعد القرار الأخطر والأجرأ فى النصف الثانى من القرن العشرين وهو قرار تأميم قناة السويس.
ووفقا لتقرير البنك الدولى فإن مصر حققت فى الفترة من "1957 - 1967" نموا اقتصاديا بما يعادل 7% سنويا وهو أعلى معدل تنمية فى دول العالم الثالث، وقتذاك كما أنه من بين أعلى معدلات التنمية عالميا فى تلك الفترة.
وفى الفترة من 1952 وحتى 1967 استطاع عبد الناصر بحسب البنك الدولى تغيير شكل المجتمع المصرى بتدشين أضخم بنية صناعية فى تاريخ الدولة المصرية، حيث تم إنشاء أكثر من 1200 مصنعا بينهم مجمعات صناعية ضخمة مثل مجمع الألومنيوم ومجمع الحديد والصلب ومصانع تكرير البترول والزيوت والإسمنت وغيرها.
وساهمت هذه المشروعات فى انخفاض معدلات البطالة فى مصر إلى 10% والتى كانت تقدر ب30% قبل ثورة 23 يوليو 1952، كما تراجعت نسبة الأمية فى عهد عبد الناصر من 80 % إلى مادون 50%، وذلك بفضل التوسع فى إطلاق المدارس والجامعات.
وشهدت البلاد نهضة فكرية وفنية وإعلامية بتأسيس التليفزيون المصرى وازدهار صناعة السينما وتسيد المبدعون المصريون الساحة العربية، فى كل مجالات الفنون.
شأنه شأن أى إنسان له محبين وله منتقدين، وليس من الإنصاف أن ننسى ما قدمه عبد الناصر لمصر على كل الأصعدة فقط لأن فى عهده حدثت نكسة يونيو 1967، ثم إن عبد الناصر لم يتنصل من المسؤولية ويكاد يكون الزعيم العربى الوحيد الذى خرج على شعبه معلنا تنحيه عن السلطة وتحمله المسئولية كاملة.
وخرج المصريون فى مظاهرات عارمة يطالبونه بعدم التنحى، فمرارة الهزيمة التى ظلت فى حلقة حتى رحيله لم تكن عائقا أمام استمراره فى الحلم وتحقيق خطوات متتالية نحو استعادة المكانة، فشرع فى إعادة بناء القوات المسلحة، مؤكدا أن مصر لن تتنازل عن أرضها وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وشن حرب الاستنزاف التى كبدت الجانب الإسرائيلى خسائر فادحة، باعتراف قادة إسرائيل أنفسهم وفى هذا أذكر ما كتبه المؤرخ الإسرائيلى، يوآف جلبير، القائد السابق للواء المظليين الإسرائيلى والمستشار الأكاديمى بكلية القادة والأركان الإسرائيلية وأستاذ التاريخ العسكرى فى جامعة حيفا، فى كتابه "حرب الاستنزاف المنسية"، يفند فيه كيف كبدت حرب الاستنزاف 1968 -1970 إسرائيل خسائر فادحة؟ وكيف مهدت لانتصار الجيش المصرى فى حرب أكتوبر 1973؟
نعم كان لعبد الناصر أخطاء فهو بشر يصيب ويخطيء لكنه كان وطنيا مخلصا، أمينا يحمل حبا كبيرا لوطنه وشعبه، حلم بالدولة القومية الكبرى، سعى بقدر ما سعى، وبقدر ما كان بين يديه، ساعدته الظروف أحيانا لكنها فى الأخير أنهكته كثيرا وأتعبت قلبه، حكم فقيرا ومات فقيرا لكنه اغتنى بحب الناس، مات الرجل وليس بغريب موت الفرسان، فالناس كلهم يموتون، توقف قلبه يوم 28 سبتمبر 1970، لكنه عاش فى قلوب الناس، فقليل من الأموات يعيشون بعد الرحيل وأكم من أحياء هم ميتون فى حياتهم.
ما زالت احتفظ بصورة عبد الناصر التى كانت فى مندرة بيتنا الريفى وفى كل ذكرى ليوم رحيله، أذكر كلام الشاعر الكبير الخال عبدالرحمن الأبنودى رحمه الله: "يعيش جمال حتى فى موته"، وحين ناقشت الخال الأبنودى فى هذه الجملة قال لى "يا حسام فى دنيتنا دى ناس كتير بترفض تموت".