البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
فى مثل هذا اليوم، الخامس من أكتوبر قبل 48 سنة، كنا نستعد للعبور واسترداد الأرض بعد ساعات قليلة وكان العدو الإسرائيلى يستعد لعمل "بيض يوم كيبور".

وبينما كنا ننفذ خطة الخداع الاستراتيجى بمنتهى الذكاء والإتقان نشرت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، تقريرا مطولا عن طرق عمل البيض لإفطار يوم عيد الغفران "يوم كيبور"، كان الإسرائيليون منشغلون بأى طريقة وفى أى مزرعة أو منتجع سيأكلون البيض، ونحن منشغلون بالنصر أو الشهادة عن حب وطيب خاطر، كان جنودنا فى أهبة الاستعداد على الجبهة وجنودهم فى مطابخهم ومزارعهم يزينون أطباق البيض!

بعد 48 سنة على انتصار أكتوبر لا تزال الدروس والعبر حاضرة، يتعلم منها الأجيال، وفى رأيى إن أهم درسين يجب أن يكونا حاضرين إلى الأبد هما: أولا امتلاك إرادة النصر والإصرار عليه وتحدى الصعاب مهما كانت ومهما روج لها واضعوها أنها مستحيلة.

والدرس الثانى هو عدم الاستهانة بالخصم، مهما كان وتوقع أسوأ السيناريوهات ووضع الخطط للتعامل معها.

كان الاعتراف الإسرائيلى بالغطرسة والغرور وفرط الثقة والاستهانة بالخصم، هو أول سبب لهزيمتهم المنكرة، باعتراف قادة الجيش الإسرائيلى أنفسهم.

ففى 4 أكتوبر 2018، نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية مقالا يحمل شهادة أحد الجنرالات المتقاعدين، خدم فى جيش الدفاع الإسرائيلى أثناء حرب أكتوبر 1973، وهو العميد احتياط عاموس جلبواع، الذى تولى أيضا منصب رئيس شعبة الأبحاث فى الاستخبارات.

واعترف صراحة بأن حرب أكتوبر التى يطلق عليها فى إسرائيل "حرب يوم الغفران" لا زالت تسبب ألما نفسيا كبيرا له ولزملائه، كما أن إسرائيل لم تستطع التخلص من معاناة الخداع النفسى واعتبر جلبواع فترة ما قبل الحرب هى فترة الخداع الذاتى، للإسرائيليين أنفسهم بأنفسهم، لأنهم كانوا يؤكدون طيلة الوقت امتلاكهم لأفضل الدبابات والطيارات والمعدات أفضل سلاح جوى وأفضل درع وأنهم الجيش الذى لا يقهر، بيد أن الحرب بددت تلك النظرية تماما، وقال جلبواع إن جذر كل الشر كان فى خداعهم لأنفسهم، وتوهمهم أنهم عمالقة والعرب أقزام. 

كما صدر فى أبريل 2017 كتابا عن دار نشر دبيير الإسرائيلية، بعنوان "حرب الاستنزاف المنسية".

ونشرت صحيفة معاريف العبرية أجزاء منه للمؤرخ الإسرائيلى، يوآف جلبير، القائد السابق للواء المظليين الإسرائيلى والمستشار الأكاديمى بكلية القيادة والأركان الإسرائيلية، وأستاذ التاريخ العسكرى فى جامعة حيفا، قال إن حرب يوم الغفران وفقا للتسمية الإسرائيلية، كانت بمثابة صدمة للإسرائيلين لم يتمكن الذين عاشوا بعدها من تحرير أنفسهم منها.

كما أن الجيش الإسرائيلى أصيب بالغطرسة بعد حرب 1967، لدرجة أن ضباط الجيش الإسرائيلى أصبحوا معروفين لعامة الناس. وكانت تنشر مقابلات أسبوعية معهم فى وسائل الإعلام العبرية.

وصدرت الكتب عن الجيش الذى لا يقهر بعد انتصار الإسرائيليين فى حرب الأيام الستة "نكسة يونيو 1967"، وغمرت ألبوماتها وسائل الإعلام، دون اكتراث لخسائر بدأ يتكبدها الجيش الإسرائيلى مع بداية حرب الاستنزاف التى شنها المصريون فى مارس 1968.

واعترف جلبير أن وسائل الإعلام الإسرائيلية، كانت تكذب بشأن عدد القتلى والمصابين الإسرائيليين، الذين كانوا يتساقطون يوما بعد يوم.

ويسرد أنه فى الوقت الذى كانت الهجمات المصرية، تتصاعد على خط القنال، كان الإسرائيليون يواصلون احتفالات لا تنتهى بنصرهم فى 1967، ويقارنون بين رابين وبرنارد مونتجمرى، الذى كان مشيرا للجيش البريطانى بعد انتصاراته فى الحرب العالمية الثانية.

كما حصد موشيه دايان، وزير الدفاع الإسرائيلى وقتذاك، لقب رجل العام، ويسخر جيلبير قائلا كان لكل ضابط إسرائيلى، صحفيا مقربا له يحكى عن بطولاته.

وهناك فصل مثير للاهتمام فى كتاب جيلبير عن الإسهام العلمى الأكاديمى الزائف فى الإحساس بالتفوق الإسرائيلى، يشرح فيه أنه فى صيف عام 1967، دعت المخابرات العسكرية الإسرائيلية كبار علماء الاجتماع وعلماء النفس فى إسرائيل إلى إجراء دراسة شاملة وسرية ودقيقة لأسرى الحرب المصريين.

وخلصت الدراسة إلى أن مستوى الاستخبارات المصرية أقل بكثير من مستوى الضباط الإسرائيليين، وأن تفكيرهم غير ناضج ومنفصل عن الواقع!!.

وترجم الجيش الإسرائيلى الدراسة إلى نتيجة واضحة هى: ليس هناك سبب للمضى قدما فى الحرب المقبلة.

من ضمن منظومة الغطرسة والغرور الإسرائيلى قبل حرب أكتوبر على سبيل المثال أيضا، دراسة استقصائية فى إسرائيل تناولت مطبوعات هذه الفترة الزمنية، أظهرت تبلور الخطاب فى المجتمع الإسرائيلى حول أسطورة الجندى الإسرائيلى الذكى المنضبط الذى لا يقهر، وكل هذا ساهم فى الإفراط فى الثقة بالنفس، الذى سيطر على المجتمع الإسرائيلى وجيشه. 

ما يجب أن نتعلمه دائما من حرب أكتوبر، هو أننا عندما قررنا أن ننتصر، وظفنا كل إمكانياتنا وكل مواهبنا الظاهر منها وما تم اكتشافه ودارت كل عقولنا نحو هدف واحد وامتلكنا إرادة النصر، ولا بديل عنه واجتهدنا وسعينا.

وولدت بداخل كل جندى وكل مواطن مصر قوة ذاتية جبارة تقول له انتصر، ولا شىء اسمه مستحيل وكن جاهزا لكل شىء، فى حين استغرق العدو فى نشوة انتصار سابق ولم يفق منها ولم يقدر حقيقة ما سيواجهه، واعتقد أنه لا مثيل له ولا بديل عنه، فانهزم شر هزيمة وانكسر كسر لا يجبر. 

وأجمعت آراء خبراء الحرب فى العالم، بأن ما قدمته هذه حرب أكتوبر من دروس وعبر، تتصدر باقى الحروب المعاصرة، بفضل تأثيرها الواضح فى الانتباه لعنصر هام جدا فى أى نصر، وهو الإرادة والتحدى والاجتهاد، لإحداث التوازن وقلب المقاييس.

فلم يكن أحدا فى العالم يتوقع أن ينجح المصريون فى اقتحام وعبور أصعب مانع مائى وأقوى تحصينات دفاعية، يمكن أن تواجه أى قوات مسلحة فى حرب.

كان وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسينجر، يتحدث فى الغرف المغلقة عن الفارق فى التوازنات العسكرية لصالح إسرائيل، ولم يخطر بباله يوما أن العقول المصرية، ستنجح فى فرض الإرادة على الجانب الآخر.

ولم يكن كيسينجر ينتظر أن إسرائيل ستكون فى حالة رد الفعل، خاصة فى المراحل الأولى للحرب، فكانت كل جمل القادة الأمريكان والإسرائيليين فى الصحف الأجنبية عبارة عن عناوين لم تخل من جملة "المصريون فعلوا".

واستطاعت الإرادة المصرية إضافة العنصر البشرى، ضمن أبرز عناصر القوة الشاملة للدولة بالتطوير، والارتقاء بكفاءة أداء بعض الأسلحة والمعدات، وإطالة أعمارها الافتراضية مع التطوير الهائل فى آليات وأساليب القتال والتخطيط الدقيق، لتحقيق التفوق فى مراحل القتال.

قلب المصريون بإرادتهم، مفاهيم الحرب التقليدية وغير التقليدية أيضا، واستردوا الأرض وحققوا السلام لاحقا من منطق قوة لأنهم آمنوا بقوتهم وأحسنوا التقدير، فى حين استهان العدو بالطرف الآخر وغط فى ثبات عميق، فاستيقظ على كابوس، ولم يأكل بيض يوم العيد، لكنه أكل "علقة موت" ستظل تلاحقه أبد الآبدين.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز