د.حسام فاروق
وانطلقت فى ذات السياق العديد من نظريات المؤامرة المصحوبة بالتراشقات، هل هو فيروس صينى مثلما وصفه الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب والسيناتور الجمهورى توم كوتون الذى تبنى نظرية تسرب الفيروس من المختبر الصينى؟، و ناقش ذلك مع وسائل الإعلام الأمريكية خاصة صحيفة واشنطن بوست وتعرض حينها لحملة سخرية، كما ظهر من يتساءل هل الفيروس صناعة أمريكية أو "طلعة أمريكانى" من تحت لتحت، وأرادت أمريكا إلصاقها بالصين فى إطار الحرب الخفية بينهما؟
لكن على كل حال أخذ العالم وقتا فى هذه المسألة ربما استغرق شهورا ولم يخرج أحد بدليل قاطع حتى الآن على تسرب الفيروس من مختبر صينى أو أمريكى، كما لم يعثر العلماء أيضا على دليل قاطع يظهر أن الفيروس بدأ فى الحيوانات قبل أن يصيب البشر بشكل طبيعى، وتدريجيا بدأ الإعلام يتغافل الحديث حول أصل الفيروس، فى الوقت الذى بدأ فيه الوباء يحصد الآلاف من الأرواح، قبل أن ينتبه صناع السياسة من المتراشقين و التابعين لكل فريق إلى وجوب التفكير فى حماية الأرواح أولا و وقف ركاب الموت الذى أغلق بلدان بأكملها، وأدخل العالم فى حالة عزلة إجبارية، وانتقلت الأزمة إلى فصل تالى وهو الخاص باللقاحات والأمصال وجنسياتها وشركاتها، و"البيزنس" المصاحب لها و الذى لم يكن أيضا بمعزل عن التسييس، باعتباره تجارة الفرصة المتاحة التى اكتسبت الطابع العالمى.
وفى المرحلتين السابقتين للفيروس سواء مرحلة الاكتشاف وصدمة التعامل الأولى أو مرحلة الأمصال واللقاحات، كان المنظرون السياسيون فى واد خاص بهم يواصلون تنظيرهم و نبوءاتهم حول شكل العالم الذى رأوه ينقلب أو سوف ينقلب رأسا على عقب وأن العلاقات الدولية ستخضع حتما لمعايير جديدة فى المستقبل، وهناك من بدأ يطرح نظرية العالم ما قبل و ما بعد كورونا باعتبار الفيروس نقطة فاصلة ما بين مرحلة وأخرى من عمر العالم والحقيقة فى رأيى أنهم بالغوا فى تصوراتهم ونبوءاتهم و لم ينقلب العالم كما زعموا!
وما حدث فقط هو أن أزمة كورونا كانت كاشفة للكثير من الأوضاع الحقيقية ومرت بالكثير من المراحل و المعالجات بعضها خاطئة وبعضها صحيحة، ما حدث هو أنه بعد الإفاقة من الصدمة اكتسبت الدول خبرة فى هذا الملف، وهؤلاء الذين روجوا للمؤامرة الكونية راجع معظمهم نفسه و غير رأيه، كما أن الجماهير على مستوى العالم تعودوا التعايش مع أى أوضاع جديدة، بغض النظر عن أسبابها ومسبباتها، وعادت الحياة إلى المدارس والجامعات، والمصانع، والشركات و تراجع التواصل الافتراضى الذى تطلبته الأزمة، والآن نسمع عن دول تعلن رسميا خروجها من أزمة كورونا وعودتها للحياة مثلما كانت قبل 2019.
ما حدث أن الناس تعلمت كيف تعيش لدرجة أنها اعتبرت لوازم الوقاية من الفيروس من متطلبات الحياة اليومية مثل لوازم الطعام و الشراب و الدراسة، هذا إلى جانب أنهم تعلموا درس مهم جدا وهو أن الأزمة كشفت الإمكانيات الحقيقية لدولهم، عرفوا أن كل ما يقال عن الإمكانيات والمقدرة على التعامل مع أى مستجد ليس بالضرورة أن يكون صحيحا، فبعض المجتمعات صدمت فى بلدانها، وفى المقابل كانت دول عادية وأقل فى الإمكانيات المادية قد تعاملت بحكمة وذكاء مع الأزمة.
ما أريد أن أقوله هو أن الحكمة تقتضى أن لا نتسرع فى إصدار الأحكام ونسج السيناريوهات، فالزمن فى كل الظروف يدور دورته العادية والحياة لا تتوقف وشكل العالم لا ولن ينقلب لأى سبب من الأسباب، ومن ثم فلا داع للبحث عن شماعات جديدة لنظريات فاشلة، التاريخ يحمل وقائع كبيرة اختفت فيها أوطان وأبيدت أوطان وتزلزلت أخرى ورغم ذلك لم يتغير شكل العالم ولم ينقلب وكل ما يحدث هو التعايش ولكن الصدمة الأولى والرغبة الداخلية لدى المنظرين وأهل السياسة فى حدوث انقلاب عالمى هو ما دفعهم للحديث عن الفيروس كنقطة فاصلة والحقيقة أنه مجرد نقطة عابرة.
كما أن العلاقات السياسية الدولية لن تتغير من أجل فيروس مثلما توقع البعض، وفى رأيى أنه أمر مستبعد أن نجد بعدا إنسانيا جديدا فى العلاقات الدولية، فالأخيرة تحكمها كلمة واحدة لا ثانى لها هى المصلحة وكل دولة تسعى لمصلحتها و تقيم علاقاتها لأجل هذه المصلحة وتفعل ما تراه لتحقيق أهدافها بما يناسب قدراتها وإمكانياتها، أما حالة تصدير الفزع المتمثلة فى التنظير السياسى حول فكرة فناء البشرية جراء فيروس مستجد فهذا كلام رومانسى لا يسمن ولا يغنى من جوع ولا يخدم طموحا، ويقابل بالسخرية من قبل صناع السياسة القاسية قلوبهم.
العقل يقول إن فيروس كورونا المستجد "كوفيد 19" لا أول و لا آخر الأوبئة، واحتمالية أن يتغير العالم من أجله ضعيفة وغير مقنعة، وهذا ليس معناه أن العالم ثابت لا يتغير، فالعالم بالأساس فى حالة تغيير تدريجى لكنه تغير طفيف وغير محسوس بحسب الزمن وحالة المجتمعات وجغرافيا البشر والتعاملات مع التكنولوجيا وغيرها من مستجدات العصر، لذلك لا ننتظر أن يحدث كورونا أو غيره نقلة فى العالم، فالآن ظهرت أزمة كورونا وقريبا سيخرج العالم منها ولدى الإنسانية كل ما تحتاجه لاحتوائها وغيرها من الأزمات مهما طالت.
فلم تكن هذه الأزمة بأشرس من الطاعون الأسود، والكوليرا والأنفلونزا الأسبانية وغيرها ومن المتوقع ظهور أزمات مستقبلية قد تكون أقوى أو أضعف من كورونا، وعلى العالم أن يعد العدة بـ"العلم ثم العلم ثم العلم" ويعرف جيدا ما الذى بوسعنا فعله حيال ذلك، على أن يكون سلوكا دفاعيا معتادا، بعيدا عن العناوين الصادمة والكذب السياسى المخيف من عينة سينقلب العالم ويتغير شكل الحياة على الكوكب وخلافه، فهذا كلام مبالغ فيه صنعته الصدمة وروجته واستخدمته السياسة.