البث المباشر الراديو 9090
بسمة العقدة
التاريخ المصرى فى طياته يسطر مواقف بطولية عديدة، خلد الذكر لأبطال كتبت أحرف أسمائهم بالنور، ساهموا فى رسم مستقبل أوطان، درؤوا مفاسد أو جلبوا منافع، وعاشوا أبطالا خارقين ورحلوا فى هدوء شامخين.

لم يخف على أحد ما مرت به مصر، وكم عانينا؟ وكم من مؤامرات كانت تحاك لهذا الوطن؟ ولكن لطف العناية الإلهية يدركنا برحمته كلما ظننا أننا سقطنا فى بئر سحيق من الفوضى.

فبرغم محاولات تكميم الأفواه وكبت الحريات فى عصر نظام بائد لم يدخر جهدا من أجل الحفاظ على مناصبه غير عابئ بالدماء لقبوا أنفسهم بالإخوان المسلمين، خرج جيش يقف بجانب شعبه، جيش يقوده بطل حارب فانتصر، أسطورة من فلتات القدر، أسد رابض أمام عرينه يحرسه ويحميه إنه البطل الراحل المشير محمد حسين طنطاوى.

حينما تمسك الطاغية بكرسيه متجاهلا كل الصيحات برحيله، كان لابد من أن يتصدى لفساده رجل طاهر لا يخشى فى الحق لومة لائم، وقد حدث.. ظهر زئير البطل ليجبره على الرحيل، زئير حكيم آحب وطنه، إستطاع نزع الخوف من قلبه.

رحمه الله أيها المشير الإنسان آى شجاعة تلك التى جعلتك تتحمل عبئ الوطن فى وقت استسلم فيه الكثيرون.

أى جسارة تلك التى جعلتك تتصدى لانفلات كاد أن يعصف بالوطن بأسره، وأى حكمة تلك التى أدرت بها الأمور؟ أنت الظاهرة نادرة الحدوث، صنت الأرض والعرض وحفظت الأمانة، عشقت وطنك وعشت لأجله حتى واراك ثراه.

"اسمحولى أوجه التحية ليه لوحده، سيادة المشير حسين طنطاوى".. بهذه الجملة وجه الرئيس عبدالفتاح السيسى تحية خاصة، إلى المشير محمد حسين طنطاوى، فى أثناء الاحتفالية الثانية والأربعون لذكرى انتصار أكتوبر، تعبيرا عن التقدير لدوره الوطنى.

جاءت تحية الرئيس للمشير فى سياق كشف، أن رجال الجيش المصرى ظلوا 20 عاما يتقاضون نصف رواتبهم، لتحقيق قدرة اقتصادية تساعد الجيش، موضحا وكاشفا للمرة الأولى أن المشير طنطاوى هو صاحب هذه الفكرة.

رجل دولة بما تحمله الكلمة من معنى تاريخه مشرف مضئ بحب الوطن، وقد لا يعرف الكثيرون أن المشير طنطاوى هو بطل عسكرى مصرى من طراز خاص جدا، خاض أربع حروب دخلتها مصر ضد إسرائيل، فكان أحد أبطال حرب 56، وشارك فى حرب النكسة سنة 1967، وبعدها فى حرب الاستنزاف.

ومن أقواله آن حرب الاستنزاف كانت فترة زاهرة فى تاريخ القوات المسلحة المصرية، حيث كان الجيش يقاتل ويستعد ويعيد بناء القوات فى نفس الوقت، فقد أعطت الحرب الجنود والضباط الثقة بالنفس، كما منحت الشعب الثقة فى الجيش.

كما كان أحد أبطال حرب أكتوبر 1973 المجيدة فى تاريخ الوطن، حيث كان قائدا للكتيبة 16 مشاة التى كان يتولى مسؤوليتها فى الحرب مشيرا إلى أنها من أول الكتائب التى عبرت قناة السويس، وحتى قبل العبور عبر عناصر "اقتناص الدبابات"، وهى من العناصر الرئيسية التى رفعت علم مصر قبل عبور "القوات الرئيسية"، والتى حققت بطولات كبيرة خلال ملحمة عبور قناة السويس وتحرير سيناء.

فقد دخل المشير طنطاوى فى مواجهة مباشرة مع القوات الإسرائيلية وتحديدا مع "أرييل شارون" أثناء حرب 73، 

ففى يوم 12 أكتوبر تم دفع بإحدى الوحدات التى كان يقودها طنطاوى لتأمين الجانب الأيمن للفرقة لمسافة 3 كيلومترات، كانت الفرقة قد تم إخراجها منها، وتمكنت الوحدة بقيادة طنطاوى من الاستيلاء على نقطة حصينة على الطرف الشمالى الشرقى من البحيرات المرة، وكان جنود هذه النقطة من الإسرائيليين قد اضطروا للهرب منها تحت جنح الظلام.

وفى مساء يوم 15 أكتوبر كان المقدم طنطاوى وقتها قائدا للكتيبة 16 مشاة، التى أحبطت عملية "الغزالة المطورة" الإسرائيلية، حيث تصدت بالمقاومة العنيفة لمجموعة شارون، ضمن فرقتى مشاة ومدرعات مصريتين فى الضفة الشرقية، حدث هذا فى منطقة مزرعة الجلاء المعروفة باسم "المزرعة الصينية"، حيث كبدت الكتيبة بقيادة طنطاوى الإسرائيليين خسائر فادحة.

وقد تجلى ذكاء وتخطيط طنطاوى عندما هاجمته مدرعات العدو، عندها لم يكشف الرجل أوراقه، وقرر التحلى بالصبر، وكتم أنفاسه حتى آخر لحظة وحبس نيران مدفعيته لحين معاينة وتقدير القوة المعادية على الطبيعة، وفى اللحظة المناسبة انطلقت نيران أسلحته وقذائف مدفعيته، انطلق رجال كتيبته على مدرعات ومجنزرات العدو، فجعلوها أثرا بعد عين، وقد فشل هجوم العدو فى الوصول للقناة، وأخذ يبحث عن مكان آخر بعيدا عن رجال الفرقة 16 مشاة، التى كان يقودها العميد عبدرب النبى حافظ والكتيبة 16 مشاة، التى كان يقودها المقدم محمد حسين طنطاوى.

أما فرقتا شارون وآدن اللتان قامتا بالمجهود الرئيسى فى إحداث الثغرة ففقدتا أكثر من 500 جندى، بالإضافة إلى قتل ضباط الصفين الأول والثانى من قادة الألوية والسرايا، وهو ما اعترف به قادة إسرائيل فيما بعد، مؤكدين أن شراسة معارك الثغرة لم تحدث فى تاريخ الحروب بعد تلاحم المدرعات المصرية والإسرائيلية، وحرق المئات من العربات المدرعة والمجنزرات.

ومن أقوال طنطاوى المأثورة عن حرب 73 حديثه عن حكايات أبطال أفراد الكتيبة بقوله: "كل همى أن أنا مرجعش ولا فرد من الأفراد اللى جم الموقع حى، تلك هى معركة من المعارك التى خاضتها الكتيبة منذ العبور حتى إيقاف اطلاق النار، يكفينا فخرا أن الكتيبة لم تتكلف فى العبور إلا شهيدا واحدا  وهو عادل بصاروف".

هكذا روى البطل المشير محمد حسين طنطاوى جزءا من ملحمة جمعته مع أبطال القوات المسلحة على جبهة القتال حتى استطاعوا تحقيق النصر واسترداد سيناء الحبيبة بعد أن دنسها.

لم تقف بطولات المشير طنطاوى عند حدود خوض المعارك وحمل السلاح فى وجه أعداء الخارج فقط، وإنما استطاع الرجل بمنتهى الحكمة والقدرة والكفاءة أن يحافظ على سفينة الوطن من الغرق فى الفترة التى واكبت أحداث 25 يناير، بعد أن تنحى مبارك نتيجة للضغط والغضب الشعبى، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد، وبموجب البيان الخامس الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، أصبح المشير "محمد حسين طنطاوى" الحاكم الفعلى لجمهورية مصر العربية وممثلا لمصر فى الداخل والخارج، استطاع فى وقت قصير الحفاظ على هيبة ومكانة القوات المسلحة المصرية فى العالم، وكان الضامن الأمين للتطور الديمقراطى فى مصر، وألقى عليه أعباء عهد جديد على مصر والمنطقة، وقد نجح فى كل الاختبارات التى تعرض لها بنجاح منقطع النظير، ورغم كل محاولات الاستفزاز التى تعرض لها الرجل وتعرضت لها القوات المسلحة فى تلك الفترة الدقيقة إلا أنه كان بمثابة حائط الصد و"القميص الواقى" الذى يتلقى الضربات عن الشعب.

والحديث عن المشير طنطاوى لمحاولة رسم صورة كاملة الملامح له من الصعوبة بمكان، فللرجل سجل مشرف وملئ بالأحداث العظيمة والمناصب المشرفة، نال خلال مشواره العسكرى العديد من الأوسمة والأنواط والميداليات منها وسام التحرير، ونوط الجلاء العسكرى، ونوط النصر، ونوط الشجاعة العسكرى، ونوط التدريب، ونوط الخدمة الممتازة، ووسام الجمهورية التونسية، ووسام تحرير الكويت، ونوط المعركة، وميدالية تحرير الكويت، بالإضافة إلى ميدالية يوم الجيش.

رحم الله زئير الحكيم المشير محمد حسين طنطاوى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز