البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
هؤلاء الذين يظنون أنهم سيصبحون ليبراليين ومثقفين سياسيين يُشار إليهم بالبنان حينما يسيئون لبلادهم ويسيرون فى الحياة بمبدأ خالف تعرف هم فى الحقيقة مرضى نفسيين، يستحقون الشفقة ويحتاجون للعلاج. ‏

مثل هذه النماذج موجودة بيننا، وبعدد ليس بالقليل مع الأسف، ومنهم نوعان، الأول كامن لا يتحرك طالما هو فى موقف ضعف، والغلبة ليست فى صفه، لكن يظل بداخله الحقد والغل والكره، حتى وإن أبدى رضى مصطنعًا وغلفه دائمًا بابتسامة صفراء، وحين تتاح له الفرصة ويشعر أن معه بعض من أمثاله فى مشهد ما يظهر ما بداخله، كـ"طفح المجارى".

النوع الثانى دائمًا فى حالة عدم رضا ولا يستطيع أن يخفى كرهه لبلاده وحقده على الناس، لكنه بدلًا من أن يكمن مثل النوع الأول فهو ينشط على مواقع التواصل الاجتماعى بلغة خبيثة تحمل أكثر من معنى، فيتحاشى الصدام المباشر وينظم الحقد الخارج من قلبه وفمه ليمرره بصورة متخفية فى أرائه وأفكاره داخل منشورات على فيس بوك وتويتر، ولو تم تضييق الخناق عليه ومواجهته بقصده الخبيث، ينكر ويستخدم المعنى الآخر للكلام، من هذه النوعية فئة تصنف نفسها ضمن المثقفين ولا نعرف كيف؟! وتعد نفسها من النخبة ولا نعرف أيضًا أى نخبة؟! يصدرون أنفسهم فى المشهد متخفين تحت قناع الدفاع عن حرية التعبير والديمقراطية وحرية الرأى، قطيع منهم يدافع علانية عن السكر والعربدة والشذوذ الجنسى تحت راية الحرية!، ودائمًا يتصيدون المواقف التى يطلون منها كالأفاعى، ينفثون سمومهم ويمررون أفكارهم، يعتقدون أنهم حينما يسيئون لبلادهم بأى صورة وفى أى لقطة سيحترمهم الآخر "الليبرالى المتحرر" الذى يتمسحون فيه؟ وسيتم اعتمادهم ليبراليين ومثقفين ويرتفع سعرهم، بيد أن الحقيقة أنهم الأرخص فى سلة العملاء الذين يتم استخدامهم من الخارج لتفتيت الأوطان وتدميرها، لأن من يستخدمهم يعلم جيدًا أنه يتعامل مع أشخاص رخيصة بلا ثمن، باعت أوطانها ولا مانع عندها لتبيع أى شيء ولا عزيز لديهم سوى المصلحة والحقد الذى بداخلهم، هذا النموذج أيضا لا يكف عن توزيع الاتهامات على الناس وأى شخص يدافع عن وطنه ومؤسسساته ورموزه ويرفض الإساءة لهم فهو فى رأيهم "مطبلاتى" وعميل وضد الديمقراطية وحقوق الإنسان، هذا طبعًا بالإضافة إلى أنهم يعتبرون كل من يدافع عن وطنه بأى طريقة وفى أى موضوع جاهل ولا يفهم فى أى شىء مهما كانت درجة علمه فى مجال تخصصه، ويدافع عن غير حق وهم فقط يفهمون فى كل وأى شىء، هم المثقفون والخبراء ولا غيرهم.

قبل أيام طل هذا النموذج الأخير برأسه فى واقعة فيلم "ريش" ولمن لا يعلم الواقعة فقد انسحب عدد من الفنانين والنقاد مؤخرًا من العرض المُخصص للفيلم فى مهرجان الجونة السينمائى، بعد دقائق من بدء العرض، وكان رأى المنسحبين جميعًا أن الفيلم يُسىء إلى مصر.

فريق "الليبراليين المزيفين" نشطوا على مواقع التواصل الاجتماعى وهاجموا الفنانين المنسحبين واتهموهم بالجهل والتخلف وأنهم بذلك هم من يسيئون لسمعة مصر باعتراضهم على فيلم نال جائزة دولية فى مهرجان كان هذا العام! وساقوا نفس المُبرر الذى يتم استحضاره فى مثل هذه الحالات، والذى يدخل به دائمًا أصحاب الأجندات إلى السينما، وهو"السينما تحاكى الواقع وتتناول الأشياء السلبية والإيجابية داخل الدولة صاحبة الفيلم"، وهو نفس ما قاله محمد حفظى منتج فيلم "ريش"، تعقيبًا على واقعة انسحاب الفنانين والنقاد من عرض الفيلم، بالمناسبة حفظى هو رئيس مهرجان القاهرة السينمائى الدولى.

الفنان شريف منير، قال بعد انسحابه، إنه انزعج من مشاهد الفيلم التى تظهر مصر بصورة سيئة، وأكد "متعجبًا" أن العشوائيات التى كانت عندنا والتى يتم القضاء عليها تدريجيًا لكم أن تتخيلوا أنها أفضل حالًا من المشاهد التى يعرضها الفيلم!، انسحب أيضًا من العرض الفنانون أشرف عبد الباقى ويسرا وأحمد رزق وإيناس الدغيدى وتامر حبيب وآخرين.

لم أر فيلم "ريش" ولست متشجعًا لمشاهدته بعد كل ما سمعته عنه، وتوقعى أنه نسخة محدثة من رسالة فيلم "حين ميسرة" للمخرج خالد يوسف، وحتى أنقل مشاعرى بدقة فأنا لا يسعدنى مشاهدة هكذا فيلم.

أعلم أن هناك من سيقول كيف تهاجم فيلمًا لم تراه؟ ثم أنك لست ناقدًا سينمائيًا لتحكم؟ وما إلى غير ذلك من أسئلة فى محاولة لدحض رؤيتى للواقعة، وهنا أوضح أننى بالفعل لم أر الفيلم ولست بصدد الهجوم على المنتج الفنى ولست ناقداً سينمائياً لأحكم، لكننى أتحدث الآن كمواطن مصرى يغير على وطنه وأتناول واقعة - وليست فيلمًا - أثارت جدلًا وأطرافها متعددون، هذه ناحية، ومن ناحية أخرى أعتقد أن العقل والمنطق يؤيدان دائمًا الإجماع، وكل الفنانين والمثقفين والنقاد الذين انسحبوا من العرض الخاص لهذا الفيلم واعتبروه مسيئًا، بالتأكيد ليس لهم مصلحة فى ذلك غير دافعهم الوطنى الداخلى، وبالطبع ليس كل هؤلاء حكمهم خطأ، وليس كلهم ينافقون أو يبحثون عن اللقطة، ويتملقون سلطة ما!، فنحن إذاً أمام واقعة محددة، فيها إجماع على أن عملًا فنيًا يتضمن إساءة بشكل أو بآخر.

لا أحد ينكر أن فى بلادنا فقراء ولدينا مشاكل، هذا موروث مُتراكم منذ عقود، لكننا أيضًا اتخذنا خطوات جادة نحو حل الكثير من هذه المشكلات، وبدأنا بالفعل فى مواجهة هذا الفقر، وواقع مصر الآن، اختلف كثيرًا عن خمس سنوات مضت على سبيل المثال، الدنيا تغيرت وبلادنا خطت خطوات عظيمة نحو البناء والتنمية والإصلاح الاقتصادى، وقطعت شوطًا كبيرًا فى القضاء على العشوائيات، ونقل الأهالى إلى مساكن بديلة مفروشة على أعلى مستوى، ما كنا نراه فى أفلام من عينة "حين ميسرة" لم يعد موجودًا، نحن دخلنا بالفعل إلى جمهورية جديدة، ثم إن الولايات المتحدة وأوروبا نفسها التى منحت الفيلم جائزة فيها فقر، وقد يكون أشد وطأة مما هو موجود عندنا، لكنهم لا يسارعون بنشر عورات بلادهم فى أعمال فنية أو بالمعنى الأدق غير مسموح بهذا لديهم.

السؤال: ألم ير صناع هذه الفيلم أن مصر تغيرت للأفضل، وأن مشاهد الفقر والمعاناة التى لم ترق للفنانين المنسحبين من عرض الفيلم واعتبروها مسيئة، لم تعد موجودة الآن؟.. ألم يلاحظ صناع مثل هذه السينما أن بلادنا تخلصت من الكثير من العشوائيات، وأصبح الإنسان فيها يحيا حياة كريمة؟

أما حكاية أن الفيلم حصد الجائزة الكبرى بمسابقة أسبوع النقاد بمهرجان كان السينمائى هذا العام، ليكون أول فيلم مصرى يحصد هذه الجائزة المرموقة، وهو ما دفع فريق الليبراليين المزيفين على فيس بوك لمهاجمة من يرفض الفيلم ويقولون تباً لكم يا أعداء الحرية! كيف تهاجمون فيلما حصل على جائزة فى مهرجان كان؟!.. فأقولها بملء الفم فلتذهب جائزتكم للجحيم ولو أنكم تعتقدون أن جائزة كهذه ستمنع الناس من رفض الإساءة لبلادهم فأنتم مخطئون، بل العكس هو الصحيح، مثل هذه الجوائز أدعى للتفتيش ورائها، وكلنا يعلم كيف يتم تسييسها و لمن تعطى، الأمر نفسه يحدث فى جائزة نوبل أكبر جائزة فى العالم.

للأسف، العشوائيات والفقر موجودان فقط فى قلوب وعقول بعض البشر، وهى من تدفعهم لتقديم منتج مُسىء أو تدفع آخرين للدفاع عن الإساءة تحت أى مسمى و بأى مبرر.

أخيرًا.. تحية احترام لكل فنان وناقد مصرى غادر عرض الفيلم بسبب رفضه أى محاولة إساءة لبلاده.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز