د.حسام فاروق
حين تدخل الشارقة تلك الإمارة القريبة من القلب تكتشف أنك دخلت إمارة خارج حدود الزمان والمكان من حيث الطابع والروح، فتلك إمارة روحها وعقلها فى الثقافة والعلوم والفنون والآداب، إمارة تنويرية بمعنى الكلمة ذلك لأن حاكمها الشيخ الدكتور سلطان القاسمى هو نفسه إنسان مولع بالمعرفة والكتب واللغة العربية وله العديد من المؤلفات، ومن ثم فقد نصب نفسه - بحكم العشق بداخله - حاميا وحارسا للثقافة والآداب واللغة العربية فى تلك الإمارة، بل والمنطقة العربية كلها، ولا ننسى أن الشيخ الدكتور سلطان القاسمى له فى قلوبنا نحن المصريين مكانة عزيزة، لأنه أيضا أحد المحبين للقاهرة وجامعتها التى درس فيها، وله أياد بيضاء فى بعض مؤسساتها وكثير من أحاديثه يذكر فضل مصر ودورها، ونحن المصريون نعتز به كثيرا.
بعد عامين تقريبا من الفعاليات عن بعد والتواصل الافتراضى بسبب جائحة كورونا، التقى عشاق الكتاب مؤخرا وجها لوجه فى الشارقة، يتقدمهم حاكم الشارقة فى أكبر تظاهرة عربية من نوعها فى حضرة الكتب والعناوين وعشاق اللغة والأفكار، حيث افتتح حاكم الشارقة هذه الدورة من المعرض التى تقام تحت شعار (هنا.. لك كتاب) وتستضيف الفائزين بجوائز نوبل للآداب والبوكر وصناع أشهر النصوص الدرامية فى القرن العشرين وأبرز المبدعين والفنيين فى العالم والمنطقة العربية على منصة واحدة محاطون بـ 15 مليون كتاب يعرضها أكثر من 1632 ناشر عربى وأجنبى من 83 دولة و85 كاتبا من 22 دولة وينظم أكثر من ألف ندوة وورشة إبداعية وعرضا وأمسية وحوارا، منها 440 فعالية ثقافية و355 فعالية وعرضا وورش عمل تتناول مواضيع متنوعة تخص الأطفال بمشاركة متخصصين من 9 دول.
إحقاقا للحق ومن باب الإنصاف لا يمكننا الحديث عن هذا المعرض وغيرة من الأنشطة والفعاليات الثقافية الكبرى فى هذه الإمارة دون ربطها بحاكم الشارقة فهو أول من آمن بأنّ الثقافة هى القوة الحقيقة وعرف عمق تأثيرها وهو الذى يرسخ دائما لفكرة إنّ المشاريع الثقافية، مشاريع أمة وعمرها طويل ولا تجنى ثمارها بعد عام أو اثنين، وإنما تبقى للأجيال المتعاقبة، ومن باب الإنصاف أيضا النظر الآن لمعرض الشارقة بعد أن بلغ أشده وبلغ أربعين سنة على أنه صار نموذجا ثقافيا وحضاريا فيه من الحراك الثقافى المتنامى ما يجعلنا نتوقف عنده كنقطة مضيئة فى الثقافة العربيّة، حيث صار مشروعا ثقافيا عربيا عالميا متكاملا لم يتوقف يوماً منذ انطلاقته عن التطوير والتوسع والأخذ بزمام مبادرات الحوار الثقافى العالمى، اليوم يُقرأ الأدب العربى مترجما بكل اللغات من الشارقة، والعالم بتنوع ألسنته يرى الآن بعيون واضحة إبداعات أدبائنا ومفكرينا وشعرائنا.
كما يجدر بنا أن نتوقف عند الإنجاز الذى أراه الأهم فى تلك الدورة ويشكل إضافة كبيرة، حيث أطلق الشيخ الدكتور سلطان القاسمى باعتباره الرئيس الأعلى لمجمع اللغة العربية بالشارقة، المجلدات الـ 17 الأولى من "المعجم التاريخى للغة العربية"، وهو المشروع اللغوى الكبير، يؤرّخُ للمرة الأولى لمفردات اللغة العربية وتحولات استخدامها عبر 17 قرناً ماضية.
ولأنه مولع باللغة العربية فقد ذكر حاكم الشارقة فى كلمته أن اللغةُ العربية لها من الخصائص والمزايا ما يرفعُها ويَسْمُو بها فى دُنيا اللغات، وهى من أطولِ اللغات العالميّة عُمْرًا، وأوسعِها مُعجَمًا، وأروعِها بيانًا، وحقيقٌ بنا أن نجتمعَ اليوم من أجلها، وأوجز الشيخ الدكتور القاسمى فى كلمته ملخصا الحالة التى وصلت إليها لغتنا العربية والتى تطلبت أن يدعمها أهلها وعشاقها ومن هنا كانت خطوات الشارقة فى هذا المسار.
نعم كانت العربيّةَ بحق فى حاجة إلى معجم عربى كبير يتتبع تطور مفرداتها ويُؤرّخُ لجميع جذورِها وألفاظِها، ولأن التطور الذى تشهده الشارقة كإمارة تنويرية ليس بمعزل عن الاجتياح الرقمى والتكنولوجى الذى واكب كل مجالات العلوم والفنون، فقد أعلن حاكم الشارقة عن تخصيص موقع إلكترونى وتطبيق ذكى للمعجم، ليتمكن كل إنسان محب للعربية بضغطة ذر أو بلمسة إصبع على هاتف رقمى من الحصول على إجابة لاستفساره فى بحر لغتنا العربية الجميلة.
وختاما الشكر واجب لحماة لغة القرآن والشكر واجب لحاكم الشارقة الذى اختار أن يكون مسؤولا عن غذاء الروح والعقل بجانب كونه مسؤولا وحاكما للإمارة، أما معرض الشارقة فى عيده الأربعين فنبلغه سلام المعرفة وسلام عشاقها ونقول إن المولى عز و جل قال فى كتابه العزيز "اقرأ"، فطوبى لمن دعا الناس للقراءة وما أعظمها دعوة.