د.حسام فاروق
ولذلك ظهر مصطلح الأمن الثقافى ويشير إلى ضمان اطمئنان الفرد والجماعة على هويتهم ولغتهم وتاريخهم وحضارتهم وحماية كل المكونات السابقة من السرقة والتشويه ومجابهة الهجوم عليها.
ووجب التوضيح أنه لا تعارض مطلقا بين الثقافة والحداثة فالثقافات تتطور بما يناسبها فى إطار منظومتها القيمية، وليس معنى التحديث أبدا طمس الهوية الثقافية، واتفقت كل دساتير العالم على مبدأ أن الدول بمؤسساتها هى الحامى والحارس للثقافة وهى من بيدها بقوة القانون توفير الأمن الثقافى للفرد والجماعة.
وهنا يبرز السؤال: فى ظل انفتاح العالم على بعضه وتعدد الثقافات وإطلاع الشعوب على تجارب بعضها البعض بفعل ثورة الاتصالات هل هناك حالات استهداف للأمن الثقافى فى العالم؟ الإجابة نعم وسأتحدث هنا عن الحالة المصرية، فليس خافيا أن المجتمع المصرى على مدار تاريخه تعرض لهجمات ممنهجة متعددة على ثقافته وقيمه ومبادئه وموروثاته وحضارته، برزت بشكل واضح فى الحقب الاستعمارية المختلفة وكانت هناك بالفعل محاولات لطمس الهوية القومية من قبل المستعمر.
لكن التاريخ أبى أن يكتب انتصارا لمستعمر على ثقافة مصر والمصريين فى أى عهد من العهود، وكانت كل المحاولات التقليدية للنيل من ثقافة المصريين تبوء بالفشل، والسر دائما كان فى الشعب الذى لا تعرف له خارطة.
وقد لا تجد تفسيرا لما يفعل فى كثيرا من الأحيان غير أنه هب ليحافظ على ثقافته، وموروثه ولغته وعاداته وتقاليده ونسيجه ولحمته الوطنية فكل هذا فى رأيى ثقافة انعكست عبر عقود ربطت الأجيال المتعاقبة بتاريخها وكل ما يشكل خصوصيتها الوجودية.
وليس خافيا أيضا أن الربع قرن الأخير فى بلادنا كان به الكثير من التحديات، لا نبالغ لو أسميناها بالحروب الثقافية، أبرزها وأخطرها تحدى الانتماء والوقوف فى وجه محاولات تشويه الهوية المصرية، واستهداف النسيج الوطنى وزعزعة الثقة بين المواطن ودولته ومحاولات الهدم القادم من الخارج بالتعاون مع ذيول الداخل والأيادى السوداء التى استخدمت فيما عرف اصطلاحا بالربيع العربى فى 2011.
كانت حربا بالمعنى الحقيقى للكلمة، لكنها هذه المرة غلب عليها الطابع السياسى،و استخدمت فيها القوة الناعمة مستغلة هذا الاجتياح التقنى الذى حول العالم إلى قرية كونية صغيرة، تلاشت فيها الجغرافيا والحواجز الثقافية، وصاحبها انفتاح وتداخل فى الثقافات دونما اعتبار لخصوصيات المجتمعات، وما ورثته عبر السنين وهو ما سهل فى رأيى مهمة معاول الهدم القيمى التى تم استخدامها سياسيا تحت شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وما إلى غير ذلك من الشعارات البراقة التى عند تزاوجها زواجا غير شرعيا.
وأقصد هنا استخدامها سياسيا فى غير معناها - تنجب مخلوقا مشوها اسمه الفوضى، وتصير عملية المحو والتخريب التى تمارسها الثقافة الوافدة الموجهة من أسهل ما يكون بعدما يتم التمهيد لها داخل المجتمعات المستهدفة.
وبالطبع قد تخضع بعض الثقافات "الضعيفة" وتنهزم ولا تقوى على الثبات أمام مد طاغ وموجات عاتية؛ فكم من ثقافة تلاشت وكم من لغة انقرضت، لكن هذا أيضا بفضل الله وبوعى المصريين لم يحدث فى الحالة المصرية، فى أى وقت من الزمان.
وإن كانت المحاولات لم تتوقف وأظنها لن تتوقف، فمصر مستهدفة من قديم الأزل، هناك من يستكثر عليها حضارتها الممتدة لآلاف السنين وتاريخها الراسخ فى القدم ورموزها عبر الأزمان الذين غيروا وجه الحضارة، هناك من يضمر الحقد لبلادنا ويظهر الابتسامة.
نعود إلى الحرب الثقافية ونقول أنها فى أبسط صورها الحديثة حرب ضد استقرار المجتمعات بالمفهوم الأشمل لكلمة الاستقرار، والحروب الحديثة باتت تستخدم من الأسلحة اعتاها وأكثرها فتكا دونما استخدام رصاصة واحدة وهى أسلحة تدمير العقول ومحو الثقافات وعزل الإنسان عن ماضيه وحاضره وقتل نموذج القدوة نهائيا.
وبالتالى إدخاله فى دومات تجاه المستقبل فيعلق تلقائيا بالموجة الغالبة التى استهدفته، لأن الثقافة الضعيفة لا تمتلك مناعة واقية، فتخسر كثيرا من ملامحها وعناصرها التى اكتسبتها عبر تاريخها، ولأن الدولة مناط بها حماية الثقافة بمفهومها الشامل.
فأتصور أن هناك أدوار كثيرة يجب أن تلعبها المؤسسات المعنية فى هذا الاتجاه وأخص هنا الحالة المصرية بما تحمله من خصوصية شديدة التميز عالميا، ولدى بعض المقترحات تنطلق جميعها من اعتبار هوية المجتمع المصرى وثقافته ولغته وتاريخه ولحمته الوطنية، وحتى شوارعه وأبنيته القديمة خط أحمر وهذا يتأتى مع مؤسسات فعالة راسخة، لصد التدفق الخارجى الذى يستهدف الفوضى بأى شكل وبأى طريقة مباشرة أو غير مباشرة.
وحتى يتسنى لنا ذلك نحتاج إلى منصات ثقافية غير تقليدية تتمتع بأعلى قدر من الجاذبية، تعمل جميعها على تعزيز الصورة الذهنية للإنسان المصرى عبر التاريخ، على أن يتوفر لها الإمكانيات المادية والتقنية والبشرية الأكثر تنافسية، حتى تستطيع إعادة الثبات القيمى للشخصية المصرية.
وحتى لا نسمع جملة " لم نكن هكذا، كيف تغيرنا!؟"، نحتاج منصات ثقافية شعبوية تخدم رؤية الدولة ومصالحها السياسية والاقتصادية، وتشكل ضغوطا على خصومها، وهذا أيضا لن يتأتى إلا باعتبار الثقافة مشروعا قوميا، نحتاج إلى تطوير منظومتنا الثقافية الشاملة، بدء من البيت مرورا بالمدرسة والمسجد والكنيسة والجامعة وبيوت الشباب وقصور الثقافة، والإعلام بمختلف فروعه، فيتربى النشء على إدراك هويته وتترسخ فى ذهنه ووجدانه ووعيه ثقافته بصورتها الحقيقية، مع ضرورة الانفتاح على الآخر بما يتناسب مع منظومتنا الثقافية التى يجب أن تتحلى بالقدرة والكفاءة، بما يمنع اختراق المجتمع والتأثر بالرسائل المضادة.
ولا ننكر أن هناك جهد فى هذا الشأن، لكننى أظنه يحتاج المزيد، حتى تصبح الأدوات الثقافية جذابة ونافذة، بما يمكن الاعتماد عليها كسلاح فى المعارك السياسية والاجتماعية، نحتاج إلى التفكير فى كيفية الاستثمار فى أذرعنا الثقافية، وهى كثيرة ومتعددة لحماية شخصيتنا المصرية ومواجهة الاستهداف الذى يفد إلينا فى أى صورة لنحافظ على ثقافتنا، وخصوصيتها التى تشكلت عبر مراحل من التكون وتميزت عن سائر الثقافات الأخرى.
لعل أبرز ما ينتج عن انعدام الأمن الثقافى هو التشوه المادى والمعنوى الخلقى والخلقى، تشوه فى الطباع وفى الصورة الجمالية الكلية للبيت والشارع والمنطقة، تشوه عمرانى وبيئى والملاحظ للتحولات التى شهدها مجتمعنا المصرى فى الربع قرن الأخير يرى ما طرأ من تغيرات مست كثيرا من شخصيتنا المصرية وسماحتها وطيبتها، بفعل تسلل الغزو الثقافى الممنهج والمخطط له استخدام القوة الناعمة، فبدلا من أن تكون الأخيرة معول بناء يلجأ البعض إلى جعلها معول هدم.
وهبت على مجتمعنا المصرى رياح غير طيبة أصابت بعض من أخلاقنا وسلوكياتنا وعاداتنا، وتسربت أخلاق دخيلة عبر قنوات كثيرة أدت إلى فساد ذوقنا وأحدثت تشوها فى السلوك انعكس على التعاملات فى الشارع واستحدثت عادات غير محمودة، فأفرز ذلك خللا فى جهاز الثقافة العام.
كنا ملوك الجمال فى كل شىء، تشوهت بعض قيمنا، كان يضرب بنا المثل فى الرقى والتحضر وكرم الأخلاق، أصبح تشكيلنا الثقافى فى خطر، وهويتنا عرضة للتخريب إن لم ننتبه حتى نحافظ على أهم ثوابتنا وهى شخصيتنا المصرية،.
فى الأخير وبما أن الأصل فى الفعل هو اتباع سياسة معينة فنحن فى أمس الحاجة إلى سياسات ثقافية جديدة وقوية ومتطورة يقوم عليها المستنيرون من حماة هذا الوطن وثقافته يكون هدفها حماية الهوية ورفع الاعتزاز لدى الجماعة بكل ما هو مصرى أصيل وربط الأجيال الحاضرة واللاحقة بكل ما يمت للثقافة بصلة، على أن تعزز كل أدوات التنشئة هذه السياسة وتنفذها كما رسمت عبر قنوات التعليم والأسرة والإعلام.
وتقوم المؤسسات الأخيرة بعملية الفرز ورفض ما هو دخيل علينا ولا يلائم خصوصيتنا واحتضان قيمنا الإنسانية النبيلة على أن يصاحب ذلك حزم وشدة لإعادة الانضباط.