د.حسام فاروق
من تلك الإشادات ما قاله صندوق النقد الدولى عن انتعاش معدل النمو الاقتصادى بمصر خلال 2021 - 2022 ليصل إلى 5.2%، وما أشار إليه البنك الدولى حول تعافى معدل النمو بمصر هذا العام ليتفوق على متوسط النمو العالمى، وإشادته بتعزيز مصر لبرامج الحماية الاجتماعية وما ذكرته وكالة فيتش الائتمانية العالمية من أن مصر واحدة من الدول القليلة على مستوى العالم التى شهدت نموًا اقتصاديًا إيجابيًا طوال أزمة كورونا، وما قالته مؤسسة "ستاندرد أند بورز" بأن مصر تمتلك سيولة كافية هذا العام لتغطية ما يزيد عن 5 أشهر من المدفوعات الخارجية، إلى جانب تصنيف موديز الذى يثبت التصنيف الائتمانى لمصر عند B2 مع نظرة مستقبلية مستقرة وحديثها عن أن المشروعات الاستثمارية الكبيرة فى مصر حسنت من القدرة التنافسية للاقتصاد المصرى، وما قاله البنك الأوروبى لإعادة الإعمار عن مصر بأنها ستتصدر معدلات النمو بين الدول الأعضاء بالمنطقة فى 2022، وأخير وليس آخرًا ما ورد فى تقرير بنك "راند ميرشانت" الإفريقى الدولى تحت عنوان "أين تستثمر فى إفريقيا؟"، والذى وضع مصر فى المقدمة كأفضل وجهة جاذبة للاستثمار فى إفريقيا عام 2021، للعام الرابع على التوالى، ويقوم التقرير على تقييم 6 قطاعات أساسية لتقييم الوجهات الأكثر جذبًا للاستثمار، وهى: الموارد خصوصًا التعدين، والبيع بالتجزئة، والتمويل، وقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والصناعة، وقطاع التشييد والبناء.
كل المؤسسات العالمية المتخصصة السابقة لم تعجب المهندس نجيب ساويرس رجل الأعمال المصرى، فخرج فى حوار أجراه مؤخرًا مع وكالة الأنباء الفرنسية، تطرق فيه لوضع الاقتصاد المصرى، وقال إن تدخل الحكومة - بحسب زعمه - فى القطاع الخاص يخلق منافسة غير متكافئة بين الشركات الخاصة والشركات التابعة للدولة، ويجب أن تكون الدولة - من وجهة نظره - جهة تنظيمية وليست مالكة للنشاط الاقتصادى، زاعمًا دون سند أو دليل فى مغالطة معلوماتية يمكن أن تدرج تحت بند التحريض بأن الشركات المملوكة للحكومة لا تدفع ضرائب، وأن المستثمرين الأجانب خائفون بعض الشىء، وهذا الكلام مخالف تمامًا للحقيقة بشهادة المؤسسسات الائتمانية والمصرفية العالمية المتخصصة، ولا نعرف ماذا يقصد ساويرس من هكذا مغالطة وهو يعلم تمامًا كرجل أعمال أنها من الممكن أن يتم تناقلها والمتاجرة بها كما لو أن هناك أزمة بين الحكومة ورجال الأعمال وهذا أيضًا غير موجود بالمرة وقد يترتب عليها ضرر اقتصادى لما فيها من تخويف للمستثمر الأجنبى القادم إلى مصر، ويمكننا أيضًا اعتبار كلام ساويرس للوكالة الفرنسية هجوم موجه ضد الدولة المصرية ومؤسساتها، والتى كانت وما زالت مرمى هدف للشائعات المُبثة عبر إعلام دولى مسيس وراؤه مال وهدف سياسى والسيد ساويرس بحديثه هذا يخدم هذا الهدف.
قال ساويرس إنه لا يتقدم بعروض فى أى مشروعات يرى فيها شركات حكومية، ويزعم أن ساحة اللعب فى هذه الحالة تكون غير متكافئة، وهذا كلام يفتقد إلى الموضوعية والمصداقية، فالقطاع الخاص له دور رئيسى فى عملية التنمية، ومؤسسات الدولة التى يقصدها ساويرس حين تشارك فى المشروعات فهى تقف بحسم أمام محاولات سيطرة بعض المستغلين على مصادر الإنتاج والتحكم فى سوق الأسعار، وليس للمزاحمة والاستئثار مثلما زعم، ولو أن ساويرس صادق فكان عليه أن يذكر لنا أمثلة عن مشروعات بعينها زاحمت فيها الشركات الحكومية، فساويرس وشركات عائلته موجودون فى كثير من المشاريع المقامة والتى تقام الآن على أرض مصر، هل ينكر ساويرس فوز شركة عائلته "أوراسكوم" بعدد كبير من عقود تنفيذ مشروعات ضخمة للشراكة مع الحكومة فى مجالات معالجة مياه الصرف الصحى وتحلية مياه البحر، وهل ينكر أن شركات عائلته تقدمت بعروض للمنافسة على إنشاء موانئ جافة، أنا بنفسى أشاهد كل يوم سبت وأنا داخل إلى مبنى ماسبيرو لأقدم برنامجى"بالبنط العريض" لافتات شركة ساويرس المشاركة فى مشروع تطوير مثلث ماسبير.
السيد ساويرس وهو متابع جيد للإعلام ولكل جديد على صعيد القرارات الخاصة بالاقتصاد والاستثمار نسى أن يذكر للوكالة الفرنسية أن الحكومة وقعت مؤخرًا - بحسب بيانات رسمية من الجهات المسؤولة - 32 عقدًا لإنشاء مشروعات لإنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية والرياح لم تتضمن شركة حكومية واحدة.. ومن ضمن ما لم يصل إلى ساويرس خبر عنه أيضًا أن البرلمان أجرى قبل أيام قليلة تعديلاً تشريعيًا على قانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص فى مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامة الصادر بالقانون رقم 67 لسنة 2021، وبموجب هذا التعديل سيسهل على شركات القطاع الخاص المشاركة فى هذه المشروعات، وتلزم المادة الثانية من القانون الجديد أن تقل نسبة المال العام فى مشروعات الشراكة مع القطاع الخاص عن 20%، لإتاحة فرص أكبر لمساهمة القطاع الخاص فى تنفيذ المشروعات، كما أقر القانون آليات جديدة للتعاقد على المشروعات تتناسب مع طبيعة كل مشروع مثل التعاقد المباشر، والتعاقد على مشروع مقدم بمبادرة من القطاع الخاص، والمناقصات والمزايدات المحدودة وبموجب التعديلات الجديدة أيضًا ستتمكن الشركات الخاصة من المشاركة فى مشاريع النقل والطاقة والاتصالات والرعاية الصحية، كما ستدخل آليات جديدة لتبسيط تلك العملية عبر اختصار المدة الزمنية لمراحل الطرح وتقليص مدة التظلمات لسرعة إنهاء الإجراءات فى المرحلة السابقة على التعاقد.
ألم يخبر المكتب الإعلامى للملياردير ساويرس أو أحد من أصدقائه الإعلاميين وهم كثر أن وزير المالية أصدر عقب التشريع الجديد قرارًا بالتوسع فى الهيكل التنظيمى للوحدة المركزية للمشاركة مع القطاع الخاص التابعة لوزارة المالية، وتحويلها إلى قطاع متكامل بالهيكل الإدارى الجديد للوزارة، بهدف رفع مساهمات القطاع الخاص إلى 50% من حجم النشاط الاقتصادى خلال الثلاث سنوات المقبلة؟، وسبق أن أكد الدكتور وزير المالية، أن الحكومة تعمل على تعظيم مشاركات القطاع الخاص فى عملية التنمية، ورفع نسبة مساهماته فى النشاط الاقتصادى من 30% فى الوقت الحالى إلى 50% خلال الثلاث سنوات المقبلة.
تصريحات ساويرس جزء من خطوة ممنهجة يشارك فيها لشغل الرأى العام، خصوصًا أنه شخصيًا يفضل أن يكون اسمه مصحوبًا بالجدل على وسائل التواصل الاجتماعى التى ينشط عليها وينخرط فى فضاءاتها الافتراضية بسب وبدون، المهم أن "يركب التريند" مرة بملابسه وماركاتها وأسعارها ومرات بـ"بعض ملابس" ضيوف مهرجانه فى الجونة فلا يكاد اسمه يغيب عن قائمة المواضيع الأكثر تداولاً حتى يظهر مرة أخرى، فتصريحاته للوكالة الفرنسية تأتى بعد ساعات من تصريحاته المساندة لمجموعة من مفسدى الذوق العام تحت مسمى أغانى مهرجانات كانت نقابة الموسيقيين قد منعتهم من ممارسة الغناء لما يقدمونه من إسفاف وابتذال يصل إلى حد السباب والكلمات الخارجة، هؤلاء تصدى للدفاع عنهم ساويرس ولا نعلم السبب أيضًا لدرجة أنه صرح دفاعًا عنهم بكلمات وصفت بأنها تطاولا على نقيب الموسيقيين الفنان هانى شاكر الذى يريد الحفاظ على الذوق العام وفقا لما يقتضيه دور نقابته.
نجيب ساويرس رجل أعمال ومستثمر ناجح لا خلاف فى ذلك، حقق الكثير من الأرباح لعمله فى مصر، وأخذ أكثر ما أعطى لها وملياراته التى كونها فى مصر معظمها خارج البلاد، ولو أننا مخطئين فليصحح لنا المعلومة وليقل لنا كم حجم أمواله فى مصر؟، وبالمرة نسأله ألم يكن يدرك خطورة ما قاله للوكالة الفرنسية؟ وهل رجل أعمال بحجمه و"ملياراته" لا يعرف مدى ما يمكن أن يترتب على تصريحات مغلوطة هكذا؟
لا يزعجنا ركوب ساويرس للتريند ولا حتى مهرجانه بفساتينه وسجاجيده الحمراء وهو حر فى حبه لـ"بيكا" و"طيخه" و"شكل" و"شواحة" و"العصابة"، لكننا ننزعج من ضرر قد يحدثه إبن من أبناء مصر على اقتصاد بلده الذى يشهد له الغريب قبل القريب.