البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
أشقاؤنا الأعزاء فى دولة الإمارات العربية المتحدة يحتفلون غدا بمرور نصف قرن على تأسيس دولتهم، ونحن فى مصر إذ نعتز بأشقائنا ونفخر بهم، فيطيب لنا تهنئتهم باليوبيل الذهبى من عمر بلادهم الطيبة التى ينظر إلى تجربتها بالتقدير والاحترام، فقد حققت الإمارات العربية المتحدة العديد من الإنجازات منذ تأسيس الاتحاد فى الثانى من ديسمبر 1971 بتوقيع اتفاقية الوحدة، التى آذنت بقيام وإنشاء الاتحاد.

وبالتدرّج والتطوّر والحكمة والعقل والاهتمام بالإنسان؛ نجحت الدولة الموحدة فى بناء خصوصيتها ومكانتها فى منطقة جيوسياسية مهمة، تقبض الآن على موارد وخيرات يعتمد عليها أكثر من نصف البشرية، وأصبحت الإمارات اليوم لدى الكثيرين مثالاً يحتذى به.

المتابع لتاريخ الإمارات يتأكد له حقيقة أن أعمار الدول لا تقاس بالسنوات وإنما بحجم الانجازات، فخمسين عاما فى عمر الزمن ليست فى رأيى بالكثيرة لتوازى ما تحقق على هذه الأرض منذ قيام الاتحاد، الذى شكل تحدّياً نوعياً فى ظل تحولات استراتيجية، إقليمية ودولية وتمكن فى فترة قصيرة نسبياً من تقديم نموذج لدولة قوية استطاعت تقديم رؤى خلاقة فى الحكم والسياسة وفى العلاقات مع الآخر القريب والبعيد، كان الحماس والشغف دائما هما المحرك القوى لمسيرة أكثر حماساً وتطوراً، فانطلقت بالبناء والتعمير والتطوير.

فى خمسين عام فقط حققت الإمارات نهضتها الثقافية والعلمية والصحية، والرياضية، وظللت بحنو على إنسان الإمارات ومن يعيش فيها - حيث يفضل نحو 200 جنسية من مختلف أرجاء العالم الإمارات، مكاناً للعيش والسكن - بمظلة قوية فى مجالات الرعاية الاجتماعية، فضلاً عن الأمن والاستقرار، أصبحت الإمارات بحق أرض الفرص الواعدة والجديدة، وبلاد التطور والرقى والتسامح والتقبل والسعادة، و دولة الإنسان.

لم تكن هذه المسيرة بالسهلة ولم تكن الظروف مهيأة لنتائج عظيمة كتلك التى تحققت عبر العقود الخمسة وإنما كانت البدايات صعبة لدى شعب عربى كافح من أجل العيش، على امتداد الإمارات السبع، عانى بعد المسافات وصعوبة التنقل بين هذه الإمارات، لكن هذا لم يمنعه أبداً من أن يؤمن بهدفه ويراهن على مستقبله، لقد تخطت الإمارات الكثير من الصعوبات المتصلة بمحيطها الجغرافى وتمكنت فى أصعب الظروف وأشدها تعقيداً من التماسك فمضى الإماراتيون فى الإنتاج بمختلف أنواعه زرعا وصيدا واحترفوا فى بيئتهم، ومنها، وخرج من بينهم الصناع والزراع والأدباء والمفكرين والمثقفين الذين عبروا عن بيئتهم وبلغوا مرافئ قريبة وبعيدة.

تأسست الإمارات بجهود حثيثة ومخلصة ومتفانية من جانب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، ومعه الأباء المؤسسين، حيث نسج الشيخ زايد سياسات داخلية وخارجية نقلت الإمارات نقلات نوعية وضعتها فى مصافّ الدول الواعدة واقتنع الآباء المؤسسون برؤية القائد وبأهمية قيام الاتحاد وكان الشعب من خلفهم سببا رئيسا فى نجاح التجربة، لأنه أدرك مبكرا أهمية أن تقوم دولته على أسس من الإنسانية والتراضى، بعيداً عن العنف والقسوة.

كان الشعب مهيئاً و جاهزا لأن ينضم تحت سيادة دولة واحدة تجمع كل الإماراتيين على التاريخ والإرث الواحد، وتحقق العيش المشترك على ذات الأرض، وحين تيسرت الظروف لذلك وتهيأت لها القيادة الجديرة بإنجازها، قامت الوحدة بسلاسة، وبمعادلة طرفها رضا الناس وتأييدهم ودعمهم وثقتهم، فى قياداتهم و طرفها الآخر حكم القانون وإخلاص القائد وسارت الإمارات فى درب القوة والتقدم بلغة عصرية، تقوم على التواصل والتفاعل، الذى بموجبه تقوى على الاستمرارية وهى رهان المستقبل.

على مدار خمسين عاما تعددت البناءات فى الإمارات ولعلى هنا أتوقف عند أحد أبرزها وهو بناء الإنسان على أسس سليمة، من خلال تلبية حاجاته الأساسية، فى السكن والتعليم والعمل والصحة والضمان الاجتماعى وهذا هدف أى دولة تريد خدمة الإنسان والاستثمار فيه، استثمرت الإمارات فى إنسانها وعملت على تحقيق طموحاته ماديا و معنويا، عبر استراتيجية مدروسة توجهت بخطوات نالت الثقة العالية فى تكوين وإنشاء مجتمع السعادة والرفاهية، وهو طموح تتهيب له دول كبرى وتخشى من فاتورته و متطلباته؛ فاللسعادة فى رأيى شرطين الأول إرادة والثانى مقدرة على تأمين الظروف الموضوعية لذلك، والإمارات حققت الشرطين وهما شرطين يصعب جمعهما أو ضبطهما معا بسهولة ويسر، لكن الإمارات فعلتها وتخطت المصاعب والتحديات ونقلت مجتمعها إلى شعب مُرفّه وسعيد فى ظروف استثنائية وواقع عالمى مأزوم فى أغلب الأوقات.

الاهتمام بالإنسان عاد بالكثير على الإمارات فى مختلف المجالات فانتقلت على سبيل المثال بقفزات لافتة فى الاقتصاديين الإقليمى والدولى، ذلك لكن كلمة السر دائما هى الإنسان فهو الصانع والبانى لأى نهضة أيا كان نوعها و حجمها ومن ثم قدمت صورة لنظام اقتصادى عصرى انطلاقاً من التنوع وصولاً إلى اقتصاديات المعلومة والرقمنة، والذى نقل بدوره الإمارات إلى دولة طامحة للعب أدوار غير تقليدية وذات شأن للإنسانية.

الاهتمام بالإنسان فى الإمارات رفع سقف الطموحات لديه وجعله قادرا على التحدى والأمل والحلم فاستطاع إنسان الإمارات "السعيد" الوصول إلى كوكب المريخ عبر مسبار الأمل، وهو إنجاز علمى نوعى مشهود حققته كوادر إماراتية متخصصة تخصصاً عالياً ودقيقاً، وهو أيضا أمر يتطلب تصميماً وقدرات ومتابعات حثيثة للوصول إلى هذا الهدف الذى يعد واحدا من إنجازات نوعية عديدة تحاول الإمارات البناء عليها لمجتمع طموح وقادر، على مواجهة المستجدات والظروف الاستثنائية و العادية على حد سواء.

وفقا لما طرحته وثيقة الخمسين التى اشتملت على 10 مبادئ والتى لخص فيها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبى، رؤيته النهضوية فإن إمارات الخمسين سنة القادمة ستنشغل أكثر بالمستقبل على شتى الأصعدة، المستقبل الذى سيعمل على توثيق اللحظة الإماراتية الفارقة فى كل خطوة زمنية مقبلة، اللحظة التى تستلهم جوهر الوثيقة القائمة على روح التلاحم الشعبى مع القيادة والتى تقوم على التنمية كأولوية وتعزيز الاتحاد والعمل كفريق واحد، فى إطار وحدة وطنية، يرفرف فوقها علم واحد.

من مصر أرض الكنانة وأم الدنيا نبارك لكم عيدكم ونسأل الله أن يحفظ شعوبنا ويوفق قادتنا إلى ما فيه الخير والسلام.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز