د.حسام فاروق
بايدن يريد القول أنه يسعى لتحقيق أحد وعوده الرئيسية التى أطلقها فى حملته الانتخابية، وأنه جاهز لاختبارا ما ردده منذ فترة طويلة وأورد فى خطابه عن السياسة الخارجية فى فبراير الماضى أن الولايات المتحدة ستعود للزعامة العالمية فى عهده للتصدى لقوى الحكم الشمولى وعلى رأسها الصين وروسيا، فدائما يصف بايدن رؤيته للسياسة الخارجية لبلاده بأنها منافسة بين الديمقراطيات فى العالم، بقيادة الولايات المتحدة، وبين النظم الاستبدادية، بقيادة الصين وروسيا ويصيغ سياسته الخارجية على أساس "نحن فى مقابل هم" وهذه معادلة ليست مضمونة فى ظل المتغيرات المستجدة عالميا كما أن وضع العلاقات الدولية فى هذا الإطار أمر يتسم بالسذاجة والخطورة.
لكن يبقى السؤال: هل أصبح عمل الولايات المتحدة هو فرض نموذجها ورؤيتها للديمقراطية على الغير فى وقت أثبتت فيه الديمقراطيات الغربية التى ظلت تروج لرسوخها على مدار عقود فشلها بامتياز، بل وبعض هذه الديمقراطيات متهمة بمحاربة تجارب ديمقراطية حقيقية فى دول أخرى.
أمريكا التى حاولت لعقود دمقرطة العالم على طريقتها وفشلت، لا تزال تعتقد أنه سيأتى عليها يوم وتنجح فى هذه المهمة المستحيلة، المنطق يقول إنه لا يمكن فرض الديمقراطية من الخارج على بلد آخر، لكن يمكن مساعدتها ورعايتها من خلال التعلم من نجاحات وإخفاقات الآخرين.
لطالما اعتادت واشنطن تصدير الديمقراطية كجزء أساسى من علامتها التجارية، فى الوقت الذى انخفضت فيه جاذبية النموذج الغربى الديمقراطى عموما، ولم يعد معيارا بسبب غطرسة واشنطن وأخطائها وعيوبها، والأداء المعيب للحكومة الأمريكية فى تعزيز الديمقراطية حول العالم، وتاريخها السيئ فى استخدام الديمقراطية كعقاب ضد الحكومات التى لا تنتهجها، فأمريكا ترى نفسها ناظر مدرسة العالم، تحمل العصا فى وجه من يعصاها، وتطالب بأن تحكم العالم بدلا من شعوبه وتطبيق ديمقراطيتها المزعومة بالقوة، وتستعملها للتدخل فى شؤون الآخرين، وتعتمد مصطلحاتها ومفاهيمها المزعومة للإرهاب والمعارضة والديمقراطية وحقوق الإنسان وتوزع تصنيفاتها للدول والشعوب، بحسب هواها.
وقد أظهرت العقود الثلاثة الماضية أن محاولة دمقرطة العالم بالقوة مصيره الفشل ومن شأنه أن يأتى بنتائج عكسية، وإن كان للعالم أن يتعلم فليتعلم من إخفاقات الولايات المتحدة فى محاولاتها المتكررة لفرض نموذجها الديمقراطى الذى يناسب مقاسها فقط، وتجاهلها أن ما يناسب أمة ما، ربما لا يناسب أمة أخرى، فلكل طرقه ووسائله التى يستنبطها من واقعه وطبيعة تركيبته الاجتماعية والثقافية والدينية وغيرها من العوامل المتداخلة مع بعضها البعض، فالديمقراطية فى الغرب أسلوب عمل ينتصر للمال والصوت العالى بغض النظر عن الثقافة والمميزات الأخرى، فمن يملك المال والإعلام يستطيع أن يقنع الآخرين بوجهة نظره وإن كانت كاذبة ويقلل من قيمة وجهة نظر الخصم وان كانت صائبة، وهذا ما تجاهله صناع السياسة فى أمريكا على مدى عقود من أجل أن تظل أمريكا الدولة الأكثر قوة فى العالم.
الولايات المتحدة تحاول خصخصة مصطلح الديمقراطية وفرض مفهومها له على دول أخرى، أى أن الديمقراطية هى فقط ما يتوافق مع فهم واشنطن. فى حين أن الديمقراطية التى درسناها وهى فى الأساس كلمة يونانية مركبة من مقطعين "ديمو" و"كراتيك"، تعنى حكم الشعب أى أن الشعب يمارس إرادته وأنها نظام اجتماعى يؤكد قيمة الفرد وهى كلمة جذابة تكتنفها ممارسات جيدة وأخرى خاطئة قد يكون التنظير فيها مبنى على أسس سليمة لكن التطبيق فيه خلل كبير، والديمقراطية بمفهومها النظرى وسيلة جيدة ومرغوبة لكن ذات المفهوم ينطوى أيضا على ثغرات خطيرة تطورت مع الزمن وهى تلك التى حاولت أمريكا النفاذ من خلالها فى العقود الثلاثة الماضية، تغرات تؤثر على المفهوم وحولت الديمقراطية إلى وسيلة سهلت لجهات معينة التدخل فى شؤون الغير بدعم جبهة على حساب أخرى، وأبرز هذه الثغرات المال السياسى والرشوة والابتزاز والإعلام، فكل ما سبق يرفع أمم ويخفض غيرها.
الديمقراطية التى يتندر ويفاخر بها الأمريكان غيرهم ويعملون على تصديرها إلى الدول والشعوب الأخرى بالإقناع مرة وبالقوة مرة أخرى، تثير الحيرة وتجعلنا نتساءل هل حقا الأمريكان لديهم الحرص على مصلحة الشعوب أم على مصلحتهم الذاتية؟
الإجابة واضحة وهى أن الأمريكان كل ما يهمهم مصالحهم، وفكرة الديمقراطية فى حد ذاتها مجرد ورقة مركونة تستخدم فى توازنات بعينها بدليل أن الديمقراطية الأمريكية كانت سلاحا رئيسيا رفع فى وجه المد الشيوعى حتى سقط الاتحاد السوفيتى وبعد ذلك باعت أمريكا ديمقراطيتها التى روجت لها كثيرا بأرخص الأثمان واستيقظ العالم المنبهر على الوجه الآخر للديمقراطية الأمريكية "الكيوت"، فقد أثبتت التجربة فشل جهود هندسة الأمم الأخرى اجتماعيا، على الطريقة الأمريكية والتاريخ يكتب أنه ما من ديار دخلتها أمريكا تحت زعم نشر الديمقراطية إلا وتركتها غارقة فى الفوضى، والمنطق يقول إن الديمقراطية والفوضى فى لغة السياسة ضدان لا يجتمعان، ولو أن أمريكا نجحت فى أى شيء متعلق بالديمقراطية، فالحق يقال أنها نجحت فى تجريد المصطلح من معناه الحقيقى حيث لم يعد له أى اعتبار بقدر ما يعنى المصلحة الذاتية لصانع القرار الأمريكى، ناهيك عن محاولة اإعادة هيبة أمريكا التى ضاعت فى فيتنام، وليس دليل على كذب أمريكا تجاه الديمقراطية أوقع من انسحابها المهين والمربك الذى حدث مؤخرا فى أفغانستان بعد عشرين عاما، حيق قالت أمريكا إنها جاءت لتحقق الديمقراطية وبعد انسحابها سحبت أيضا كل كلامها عن الديمقراطية فى أفغانستان!! والقائمة طويلة فمنذ أوائل التسعينيات من القرن الماضى سعت الولايات المتحدة لإنشاء خطوط تقسيم جديدة، تقسم الدول إلى جيدة ورديئة من وجهة نظرها وسعت إلى إعادة تشكيل العالم على صورتها، وبعد 11 سبتمبر 2001 أدارات أمريكا مفهومها للديمقراطية على طريقتها من موقع المجنى عليه الذى يحق له فعل كل شيء دون حسيب أو رقيب، واعتقد صناع السياسة الأمريكية، أن استخدام القوة العسكرية هو كل ما يحتاجونه لتحويل دول مثل أفغانستان والعراق وليبيا إلى ديمقراطيات ليبرالية ولكن هيهات.
إن تشدق أمريكا الدائم بالحديث عن الديمقراطية وإدعائها بأنها الوكيل الرسمى لتحقيقها فى العالم والمناداة بحقوق الإنسان ليس من باب المثالية وخدمة الشعوب ولكنها فى الأول والأخير ترى الأمور بعين مصالحها الذاتية، فالمبادئ لا تتجزأ، ولو أن أمريكا صادقة فعلا فى حديثها عن الديمقراطية لما حشدت الجيوش الجرارة واحتلت العراق فى سبيل دعوى مزعومة، ولو أن أمريكا محقة فى حديثها عن الديمقراطية لما حاربت فى الفلبين مع الجيش الفلبينى الأقلية المسلمة بزعم محاربة الإرهاب، ولو أن أمريكا صادقة فى دعوتها لمناصرة حقوق الإنسان لما اعتبرت الممارسات الإسرائيلية فى الأراضى المحتلة لا تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان، وأمريكا التى تنظر حول مستويات حقوق الإنسان فى العالم هى نفسها التى تصف الإرهابيين الذين كانوا يقتلون أولادنا فى سيناء بالمعارضة السياسية وفى أرق التوصيفات كانت تسميهم بالمتمردين أو المسلحين.
أمريكا تستخدم الديمقراطية مجرد وسيلة جيدة للمراوغة وعدم الالتزام ولو أنها تعتنق الديمقراطية الحقيقية لما ناصرت دول غير ديمقراطية ودافعت عنها ولما حاربت دول أخرى فيها ديمقراطية حقيقية أكثر من أولئك الذين يحاربونها، فالديمقراطية الأمريكية تبدو فضفاضة فى بعض الحالات ثم تضيق فى حالات أخرى ثم تعود لتتسع حتى تسمح بدخول الدبابات والطائرات لقتل شعوب تحت زعم الديمقراطية.
أتوقع أنها مسألة وقت لتسقط كل الأقنعة عن الديمقراطية الأمريكية المزعومة وبأيدى أمريكية، ستسقطها سياسات أمريكا الخارجية تماما مثلما سقطت الشيوعية من قبل، خاصة بعدما بدا واضحا أن أمريكا تستخدم ديمقراطيتها فى مناطق معينة من العالم لأغراض غير ما أسست من أجله، فهى الآن تستعملها كوسيلة ضغط وتدخل فى شؤون الغير ووسيلة ترغيب وترهيب،
لا أبالغ لو قلت إن أمريكا نفسها الآن قد نسيت المفهوم الحقيقى للديمقراطية من فرط تصديقها لمفهومها المكذوب عنها وهذا واضح فى ممارساتها مع العالم الخارجى ناهيك عن أن الديمقراطية أصبحت مثل حصان طروادة تستخدم لأغراض معينة فى مناطق بعينها من العالم
أما عن قمة الغد فلن تخرج عن كونها محاضرة نظرية أشبة بالدروس الخصوصية فى زمن كورونا، أو قل إنه نقاش مطول حول الديمقراطية وعلى الدول "المنتقاة" للمشاركة التظاهر بأنها سعيدة بهذا الحدث الأول من نوعه، على أن يبقى الحال على ما هو عليه، وأتوقع أن يطل الرئيس بايدن على العالم عبر تطبيق زوم مرتديا رابطة عنق بلون يشير إلى الهيمنة الأمريكية ليحاول مجددا العزف على نغمة الأفضلية الأخلاقية الأمريكية المزعومة وهو يدير قمة أقصى طموحها إرضاء النخبة الأمريكية التى ساندته فى الوصول إلى البيت الأبيض ليس أكثر.