البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
مع اقتراب الأيام الأخيرة من كل عام، نرى العجب العجاب من تكريمات واستفتاءات واستطلاعات رأى تنتشر كالنار فى الهشيم، عبر "السوشيال ميديا" ومواقع الإنترنت معظمها غير حقيقية، تديرها جهات "تحت بير السلم" أو مجاهيل من على هواتفهم النقالة وهاتك يا توزيع ألقاب: فلان " نمبر 1 " فى منطقته وفلانة نجمة التسوق فى "المول الفلانى" والأستاذ حطم الرقم القياسى فى الشياكة،والشابة الفلانية أم شعر "مضروب أكسجين" أفضل إعلامية والشاب الفلانى أبو "بدلة ترد الروح" أفضل إعلامى، والحاج حسان رجل الخير فى كل زمان ومكان وحرمه مدام "عنايات ألماظ "سيدة المجتمع وسيدة البحور أيضا، والسيد س رجل المهام الصعبة، والغريب أننا لم نسمع عنهم قط، ولا نعلم من هؤلاء المكرمين ولا من كرمهم!!، لكن السوشيال ميديا تقول كلمتها، وتلعب لعبتها فى سوق مفتوح ومن يدفع سيربح حتى ولو كان الوهم وكل شخص يرى نفسه عظيما.

الأمر لا يختلف كثيرا عن حنفية الأكاديميات ومراكز التدريب - من تحت بير السلم أيضا- التى انفتحت لتدريب الشباب على العمل الإعلامى ولو عايز تحقق حلمك وتبقى مذيع أنت فى المكان الصحيح مع المحاضر الإعلامى الكبير أو الإعلامية الكبيرة س أو ص وكلاهما لم يظهر على شاشة فى حياته أو أنه اشترى وقت للظهور على الهواء فى قناة هى الأخرى تبث من تحت بير السلم وأصبح إعلاميا، وحدث ولا حرج عن حنفية "الدكترة" التى تنقط على كل من هب ودب حتى لو لم يتلق تعليما فى حياته.

وتأخذ هذه المسألة وفق ما كشف فى هذا الشأن من قبل الجهات المسؤولة جانبين الأول دعوة مدفوعة الثمن يستطيع المدعو بها أن يدخل الحفل حاملا مؤهل دبلوم صنايع ويخرج منه ممنوحا الدكتوراة أو لقب سفير أو مستشار حسب سعر التذكره وتكلفة ومكان الحفل، الجانب الثانى والأخطر يكون عملية نصب متكاملة الأركان عبر أماكن غير مرخصة يروج لها فى السوشيال ميديا كأكاديميات تعليمية تستقطب راغبى الحصول على شهادات دراسية عليا (ماجستير ودكتوراه)، تقوم بالترويج لهذه الشهادات بزعم منح الدارسين دورات تعليمية فى مجالات مختلفة، وشهادات تمكنهم من الإلتحاق للعمل بالمؤسسات والهيئات الكبرى بالداخل والخارج، مقابل مبالغ مالية كبيرة تصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات.

ولك أن تتخيل أنك قد تصادف وأنت تتصفح فيس بوك مثلا أن تجد إعلانا مدفوعا عنوانه "احصل على الدكتوراه الفخرية خلال 10 أيام" من جامعة كذا البريطانية أو الأمريكية، يدعى فيه المعلن أنه مؤسسة جامعية أوروبية حاصلة على ترخيص من الحكومة الفلانية ومقرها فى العنوان التالى ويكتب أى عنوان وأنها مستقلة الموقع الجغرافى والثقافة والأسلوب العلمى، تعنى بالتعليم المفتوح والتعليم عن بعد بمساهمة مجموعة من الكوادر العلمية من النخب العربية التى هاجرت إلى الخارج وأنها تمنح شهادات دكتوراة فخرية مقابل 250 دولارًا تكلفة الشهادة و35 دولارًا أجور الشحن، مشيرًا إلى أن لديها مكاتب وكلاء يقومون بتسليم الشهادات فى أى دولة حول العالم، مؤكدًا على ضرورة الدفع قبل شحن الشهادات، وبالبحث وراء الجامعة، تكتشف أن الأمر ليس سوى صفحة على فيس بوك يديرها أشخاص من دول عربية.

هذه الفوضى أظنها فى حاجة للضبط، فالأمر زاد عن حده، وأصبح فى غاية الاستفزاز، حيث يسيطر مجموعة من أصحاب المصالح والمرتزقة الذين يديرون صفحات "السوشيال ميديا" الوهمية وكأنهم يديرون أماكن مشبوهة، وللأسف الشديد هناك قطاعات عريضة من رواد مواقع التواصل الاجتماعى من البسطاء يتعاملون مع المسألة بجدية، طمعا فى تحقيق انتصارات وهمية ويعترفون بهذه المؤسسات المزيفة التى تمنح الألقاب وبمن صنعتهم من النجوم الإلكترونيين وقد يتواصلون معها طمعا فى الشهادة أو التكريم أو لنيل التصنيف "نمبر 1" فى المجال الفلانى ويختلط "الحابل بالنابل" وسط هذا الكم الهائل من مواقع الإنترنت وطغيان "السوشيال ميديا" التى تروج لهذا الأمر حسب بيزنس وأهواء القائمين عليها.

فكرة الاستفتاءات فى حد ذاتها أمر مشجع وحسن إذا تمت وفق مقاييس علمية ومن قبل جهات معتمدة وخلصت فيها النوايا، حيث تشجع على المنافسة للوصول إلى لقب الأفضل كل عام وهذا أمر ليس بالسهل، وأنا على المستوى الشخصى أشجع هذه الفكرة إذا سارت فى مسارها المهنى الصحيح، فأى استفتاء بغضّ النظر عن نوعه بحاجة للموضوعية، فلمصلحة من يحدث ذلك؟ والسؤال الذى يطرح نفسه من يستحق لقب الأفضل و" نمبر 1 " فى مجاله على المستويين المحلى والدولى؟

فى تصورى أن هذا الأمر لابد أن يقنن من قبل الجهات المسؤولة عن تلك المهن التى يتم التلاعب بها وكأنها بلا صاحب!، لابد أن توضع معايير صارمة فى مسألة من له حق إجراء الاستفتاء على أن تكون جهة مرخصة ومعتمدة فى مجالها وأن يخضع الاستفتاء لمعايير علمية تسمى فى البحث العلمى إجراءات الثقة والثبات من قبل لجنة محكمة، حتى يمكن الاعتراف بهذا الاستفتاء أو ذاك وقبله الاعتراق بالجهة التى أجرته، وأن تراجع هذه الاستفتاءات من قبل جهات رسمية لديها البيانات والإحصاءات والمرجعيات تستطيع أن تحدد من يستحق ومن لا يستحق، ولضمان سير عملية التنافس بين المتقدمين أو المترشحين تحت إشراف جهات تقييم ولجان تحكيم تعمل بمنطق وعقلانية لا يختلف عليها اثنان أسوة ببعض الجوائز ذات القيمة الرفيعة التى تكون محصّلتها ونتائجها منطقية.

التعامل مع الرأى العام مسألة فى غاية الخطورة ولذلك انتبهت معظم الدول لأهمية الرأى العام فى شتى الموضوعات التى تشغل المجتمعات ولا يشترط أن تكون الموضوعات السياسية فقط، فمما لا شك فيه أن هناك جهات تتلاعب بالرأى العام فى موضوعات تبدو ساذجة وسطحية وبعيدة تماما عن السياسة، لكن الهدف من ورائها سياسى بامتياز، فبالسيطرة على الرأى العام يمكن تزييف الواقع ورسم صورة ذهنية مغلوطة، ولا شك أن الإلهاء يعتبر أحد أساليب التأثير فى الرأى العام، حتى لو كان الحديث فى الفن والإعلام أو حتى فى الطبخ والأنظمة الغذائية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز