د.حسام فاروق
وحين تفتش عن الموضوع بنفسك عبر محركات البحث ستجد الحكاية كاملة بكل وقائعها بالصوت والصورة، لكن نصيحة منى حين تقدم على ذلك يفضل أن تكون بمفردك أو بمعزل عن الأسرة والأطفال، فما ستشاهده وتسمعه من الناشطة "البطلة"! لا يناسب الأسرة، ولا يناسب البيوت المصرية، ربما يناسب بيوت أخرى فيها أنشطة أخرى مخالفة للآداب، ويناسب المنظمة والمنظمات المشابهة وبعض أبواق الإعلام البغيض فى الخارج.
قبل أيام قليلة طلت علينا منظمة العفو "الدولية" - مثلما تسمى نفسها - والتى تقول إنها معنية بحقوق الإنسان بتقرير تنتقد فيه قرار محكمة النقض المصرية - أعلى محكمة فى مصر – الصادر بتأكيد إدانة إمرأة مصرية والحكم عليها بالسجن لمدة عام، وكانت هذه المرأة والتى وصفتها المنظمة بالناشطة الحقوقية والمدافعة عن حقوق المرأة خرجت على الملأ فى فيديو قبل عامين لتسب الدولة المصرية والشعب المصرى بأقدح الألفاظ مستخدمة مفردات إباحية لا يتم تداولها إلا فى "بيوت البغاء" بزعم أنها تدافع عن حقوق المرأة ضد التحرش الجنسى!
ما فعلته هذه المرأة فى الفيديو هو تحرش لفظى صريح بالأسرة المصرية، وأعتقد أنه كان بإمكانها محاربة التحرش - إن كانت قد تعرضت له مثلما زعمت- بطرق كثيرة أخرى غير أن تتحرش هى بمن تبث له الفيديو، وكان على المنظمة "الحقوقية" إدراك أن حقوق الإنسان وحرية التعبير وغيرها من العناوين الرنانة التى تستخدمها ترتبط ارتباطا لصيقا بالنسق القيمى والأخلاقى للمجتمع، ولا يعقل أن أدافع عن القيمة وانتهكها فى نفس الوقت! أى عدالة تبحث عنها منظمة العفو الدولية وأشباهها فى الدفاع عن هذه النماذج، ولأى قيم تريد المنظمة كسب التأييد؟ وهل حرية التعبير تعطى الشخص الحق فى توجيه السباب والشتائم للآخرين وللدولة بمفردات "خادشة للحياء العام"؟! وهل البيئة الأكثر أمانًا للنساء التى تتحدث عنها المنظمة والناشطة لا يضيرها أن تستخدم النساء مفردات خادشة للحياء العام -أنا أربأ بنفسى أن أكتبها هنا ولو بالتلميح-؟!!
الدولة المصرية التى اجتازت سنوات صعبة خلال العشرية السابقة تمثلت فى قدرتها على النهوض باقتصادها بعدما كان على شفا الموت والمضى قدما فى طريق البناء والتنمية لن تسلم أبدا من الحرب تحت عنوان "حقوق الإنسان" والتفسيرات المسيسة للمفهوم عبر أطراف تستخدمة كوسيلة ضغط فى حرب سياسية على الدولة المصرية، وهؤلاء ليس لديهم أى منطق فى مواصلة حربهم غير الشريفة سوى أنهم فقط يريدون توقيف الدولة المصرية عن مسارها الذى سلكته قبل سنوات، وإعادتها للمربع صفر وتحديدا للعام 2011 حيث شبح الفوضى الذى تمكن من التهام دول بأكملها فى منطقتنا، ولكنه لم يقدر على مصر.
أخطر أنواع الحروب هى تلك التى تتعمد تزييف الواقع وقلب الحقائق وتغييب الوعى وليس خافيا أنها حرب رائجة ولها ميزانيتها ووسائلها، لعل من أبرزها الإعلام المضلل والتقارير المغلوطة فى بعض المنظمات المشبوهة، والدراسات المجهزة فى بعض مراكز الأبحاث، وكلها تعتمد على نفس المصادر، ويعاد تدويرها فى نفس الأماكن، والهدف كما ذكرنا هو خلق رأى عام زائف، وفى الحالة المصرية ما من يوم يمر إلا وتجد من يروج من موقعه فى الخارج لقصص مفبركة وحكايات من صنع الخيال حول حالة حقوق الإنسان فى مصر .
اللافت دائما أن تجد فى الحكاية منظمة حقوق إنسان تصف نفسها بالدولية وقد انخرطت هى الأخرى فى بحر الانحياز والمجاملة والدعم لطرف دون الآخر، ولا وجود عندها لمعايير أو مبادىء فى تقييمها لحالة حقوق الإنسان، وتبدو كما لو كانت هى نفسها طرف معادى للدولة، ولنأخذ منظمة العفو الدولية كمثال، فهذه المنظمة التى روجت كذبا فى قصتها الأخيرة أن مصر تفتقد بيئة آمنة للنساء، لم تلتفت عمدا إلى أن مصر منذ 2014 حرصت على تنفيذ التوصيات المتعلقة بمواجهة العنف ضد المرأة، من خلال سن تشريعات وإصدار قوانين، وقدمت نموذجًا فعالًا يُحتذى به فى تمكين المرأة وترسيخ مبدأ المساواة بين الجنسين، فعلى سبيل المثال الاستراتيجية الوطنية لمكافحة العنف ضد المرأة 2015- 2020 تتضمن تطوير وتفعيل التشريعات المناهضة للعنف ضد المرأة، والملاحقة القانونية لمرتكبيه، ووضع آلية تدابير وقائية لحماية النساء ضحايا العنف، وتخصيص دوائر للنظر فى قضاياها.
كما تم تعديل قانون التحرش 2014 بتشديد العقوبة ومضاعفتها، إذا تكرر الفعل من الجانى، كما وافق مجلس الوزراء فى 2020 على مشروع قانون سرية بيانات المجنى عليهن فى جرائم التحرش والاعتداء الجنسى لحماية سمعتهن بعدم الكشف عن هويتهن، وهذا فى رأيى هو المفهوم الصحيح لمصطلح بيئة آمنة للنساء فى مصر، وليس كما تزعم المنظمة.
مصطلح حقوق الإنسان، ليس له تعريف ثابت متفق عليه عالميا، لكننا فى كل الأحوال نستطيع أن نتفق على عناوين رئيسية يمكن صياغتها فى هذا المفهوم، أبرزها مجموعة الحقوق والمطالب الواجبة الوفاء لكل البشر على قدم المساواة، دون تمييز بينها، لا سيما فى الحقوق الأساسية التى تمثل ديمومة وبقاء الإنسان وحريته، كالحق فى الحياة والمساواة بين البشر.
والشاهد أن مفهوم حقوق الإنسان يختلف من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، لأن نوع هذه الحقوق يرتبط بالأساس بطبيعة المجتمع ونسقه القيمى، وتقاليده وعاداته، ومن هنا يتسلل المتسللون بحسب تعريفاتهم لحقوق الإنسان التى على مقاسهم هم، ومع الصراعات السياسية وتطور أجيال وأشكال الحروب بدأ البعض فى تسييس مصطلح حقوق الإنسان لخدمة أهدافه ومحاولة الضغط على الطرف الآخر عبر صناعة رأى عام زائف بالحديث عن انتهاكات مزعومة، ودخلت على الخط بعض المنظمات التى تزعم أنها تعمل فى مجال حقوق الإنسان، لكن الواقع أثبت أنها لم تنج هى الأخرى من فخ الاستخدام والتسييس.