د.حسام فاروق
لو افترضنا جدلا أن هذا المصطلح راج فى التجارة و الصناعة، ففى تصورى أنه من الصعب الترويج له على مستوى الثقافة والإعلام لأنها مجالات تخاطب العقل وتحتكم للمنطق، فما يمكن قبوله لاقتناء حذاء " شارشز "Church’s الإنجليزى الشهير والارتياح بارتدائه لا يمكن قبوله فى اقتناء صحيفة الجارديان البريطانية والاقتناع بما تنشره، وبالطبع التعميم مرفوض فأنا أتحدث عن بعض وليس كل الصحف الأجنبية.
لا أستطيع أن أستقبل الهجوم على مصر فى صحيفة أجنبية معينة باعتباره صحافة مهنية دقيقة تستند لحقائق، لمجرد أنه صادر من صحيفة أجنبية، ولا ينبغى أن تسيطر علىّ هنا عقد الخواجة وأعتقد أن الخواجات لا يخطئون ولا يكذبون ولا ينافقون ولا يتآمرون، ويكون لدى رد مجهز أو هكذا تم تجهيز عقلى ليرد به، بأن المشكك فى صنع الخواجات شخص يفكر بنظرية المؤامرة، فإعمال العقل يتطلب التحليل والتدقيق والانتقاء والقياس بحسب المكان والزمان واعتبار الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وحسابات المصالح والضغوط لكل الأطراف، لكن يؤسفنى القول أن فى بلادنا أشخاص تسيطر عليهم عقدة الخواجة فى استقبالهم وتفضيلهم للمنتج الإعلامى الأجنبى وما يصلح لأقدامهم يرونه يصلح أيضا لعقولهم!!، وهنا تحضرنى المقولة العامية الساخرة الشهيرة "شالوا عقله وحطوا مكانه فردة جزمة"، وللأسف أيضًا يفترض أن هؤلاء نالوا قسطًا من التعليم وبعضهم يعمل فى مؤسسات عامة والكارثة الكبرى مثلاً أن يكون من بينهم صحفيًا أو يعمل فى الإعلام، وحين تناقشه بالعقل والأدلة يهاجمك بمنتهى الوقاحة وعن جهل ونقص فى العلم والمعلومة، مدافعًا عن الخواجة حتى ولو كان مقابل ذلك لديه أنه يستعدى بلاده، فلا شىء يهم عنده، سوى أن يكون معارضا يتمسح فى الخواجة ويقنع نفسه أنه يناضل من أجل الديمقراطية والشفافية ويستعرض عضلاته أمام الرفاق على فيس بوك وتويتر، وما لا يعرفه أن الخواجة ذات نفسه يعلم أن أمثال هذا المفتون بعقدة الخواجه فى مواجهة وطنه، هو أرخص الناس، لا سعر له بمجرد أن يستخدمه الخواجة يتركه فى أقرب سلة مهملات.
فى رأيى لو أن الصانع الأجنبى، أو "خواجة الإعلام" نجح فى شىء فهو أنه اخترق عقل هذا الشخص وقام بتشكيل معتقده وتغيير ثوابته وبالطبع الخواجة هنا تحكمه لعبة السياسة والمصالح بينما صاحبنا المشجع جاهل ولا يحكمه غير انبهار أعمى مثله.
سنوات طويلة أمضيتها فى البحث بين النصوص الإعلامية خصوصا فى الصحافتين الأمريكية والأوربية لما يكتب عن مصر خلال العشرية الثانية من القرن الحادى والعشرين وفى ذلك حصلت على الماجستير والدكتوراه وانشغلت ومازلت بتحليل متن الخطاب السياسى فى الإعلام الأجنبى ولا أبالغ لو قلت أنه فى معظم ما يكتب بالصحافة الأجنبية لا شىء لوجه الله وخدمة الصحافة كمهنة كما يعتقد المنبهرون، فكل كلمة بحساب ومقابل ومن يكتبها وينشرها يعرف لمن يوجهها، وهناك من يخطط ومن ينفق، ولا أبالغ لو قلت أن بعض صالات التحرير فى بعض الصحف الأجنبية الكبرى مفتوحة على بعض غرف الاستخبارات فالسياسة حاضرة لا محالة.
اعتمدت الحروب الدعائية منذ الربع الأول من القرن العشرين على الإعلام وتحديدًا على الصحافة قبل التطور التدريجى فى وسائل الإعلام واستحداث وسائل جديدة الواحدة تلو الأخرى وصولاً إلى دخولنا عصر السموات المفتوحة والتحول الرقمى، كان الهدف واضحًا وصريحًا وهو أن تخدم الصحافة بأنواعها أطراف اللعبة السياسية، أما الحبكة الصحفية والمهنية فهذه شكليات تختلف من وسيلة لأخرى، فهناك خواجة ماهر فى صناعة الكذب و خواجة أقل حرفية.
أعرف أنه ليس من السهل دفع الناس لتغيير آرائهم خاصة السياسية منها، ولكننى أعرف أيضًا أنه ليس من الصعب أن نعيد النظر فى بعض طرائق تفكيرنا ومواقفنا، وارتباطها بالمناخ السياسى، لنكون أكثر مرونة وأن نحتكم للعقل والمنطق لا للعند والكره.
لا يخفى على أحد أن المجتمع المصرى شهد العديد من التحولات الكبيرة فى الشخصية المصرية خلال العشرين سنة الأخيرة، زادت حدتها فى العقد الأخير وتحديدا بعد 2011م، ولم تكن لهذه التحولات أن تزيد أو تصل لهذه الدرجة من الحدة لولا هذا التطورالمتسارع فى وسائل الاتصال حول العالم، التى مهدت الطريق لوجود مناخ استقطاب سياسى واستهداف للعقول بأفكار تخدم مخططات سياسية بعينها تحت عناوين جاذبة تم طرحها فى المجتمع وأصبح لدينا طبقة ليست بالقليلة من المصريين تعتنق أفكار معادية وهى نفس الطبقة التى تحمل بداخلها استعداد للكره والحقد واعتقاد بأنها الأفضل والأنسب لكل المناصب دون النظر إلى مؤهلاتها وإمكانياتها المتواضعة على صعيد العلم والتدريب والخبره، ومن ثم فهم الأقرب للاستقطاب وتصديق أى شىء طالما فى سياق مخالف، وبكل أسف تغلغلت ثقافة موجهة داخل عقول هذه الفئة وتراجعت قيمة الوطن لديهم، فهم يتحينون الفرص لبث سمومهم عن جهل و افتراء منبهرين بعقدة الخواجه المسيس والكاره، وفى لحظة معينة لا يستطيع هؤلاء ممن رضعوا الغل والحقد أن يخفون ما بداخلهم، ويستخدمون كزبائن أو كعينات بحثية بأجر من قبل إعلام الخواجه، يقدمون أقذر أنواع الدعاية السوداء ضد بلادهم ويسيؤون لمؤسساتها، هؤلاء للأسف يعيشون بيننا ويحصلون على حقوقهم كاملة من رواتب لمن يعمل منهم وعلاج وغيرها من الخدمات التى تقدمها لهم الدولة!
على وسائل التواصل الاجتماعى قد تصادف أحدهم متخصص فى الترويج لما يصنعه الخواجة من أكاذيب ويبدو منبهرا وهو يصدر للقارئ حالة عدم الرضا والحنق من الدولة ويبدو وكأنه جر لنا الذئب من ذيله وهو يقول هذا هو الدليل، تقرير فى الصحيفة الأجنبية الفلانية ويتحدث عن الصحيفة كأنها لا تنطق عن الهوى وحين تبحث وراء التقرير تجد على سبيل المثال أن كاتبته صحفية مطرودة من مصر بعد فضيحة مهنية كبيرة وشهيرة وأن من استندت إلى آرائهم للهجوم على الدولة المصرية هم عناصر من تنظيم الإخوان الإرهابى الهاربين والصادر بحقهم أحكام قضائية عن جرائم ارتكبوها فى مصر قبل هروبهم.
ذلك الكائن المغيب الذى يستقبل الهجوم على بلاده فى بعض الصحف الأجنبية بالتطبيل والتهليل ويعيد نشره بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعى، مؤكدًا صدقه فقط لمجرد أنه وارد من الخواجة، لابد من الالتفات إليه والتقاطه من محيطه الصغير لأنه مثل الفيروس ينتشر بالعدوى و نحن فى معركة الوعى يلزمنا الفرز وتجنيب العناصر المصابة، فهذا البلد الطيب يستحق أن ندعمه لا أن ندعم من يهاجمه بالباطل.