البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
الوتيرة المتسارعة للأحداث المتعلقة بالأزمة الأوكرانية، تعيد إلى الذهن ذكريات الحرب الباردة، لكننا هذه المرة أمام نسخة أكثر تطورا بفعل تغير اللاعبين السياسيين وأوزانهم، وكذلك تغير معادلة القوى وانتهاء القطبية الثنائية، وما ترتب عليه من تغير الأولويات على صعيد السياسات العالمية.

ورغم كل هذا التغير يبقى التنافس قائما على مناطق النفوذ والمصالح، وكل هذا فى رأيى تحكم فى شكل النظام العالمى بعد الحرب الباردة، وهو نفسه النظام الذى يشهد الآن حالة عدم استقرار لها طبيعتها وحساباتها المختلفة، نعم نظريا انتهت القطبية الثنائية لكننا فى الواقع ما زلنا أمام استقطابات وتجاذبات بين طرفين عالميين لكل طرف حلفاؤه وأصدقاؤه، واشنطن بقيادة حلف شمال الأطلنطى تحاول التمدد إلى حدود روسيا الاتحادية أو مناطق نفوذها القديم، فى إطار التنافس المستمر مع موسكو على الإرث السوفييتى، وروسيا كرد فعل طبيعى تعيد تمركز قواتها داخل حدودها السيادية، وترفع من جاهزية قواتها للدفاع عن نفسها ومصالحها.

ومن ضمن مستجدات النسخة الجديدة للحرب الباردة دخول الصين على الخط  لدعم روسيا من منطق "عدو عدوى صديقى"، وفى محاولة صينية لإزعاج واشنطن التى لا تتردد دائما فى إزعاج بكين، قامت الأخيرة بتوقيع اتفاقية تعاون أمنى مع روسيا قبل أيام فى إعلان صريح عن مكان وقوفها فى هذه الأزمة، كما أن هناك أيضا حديث عن مشروع جديد لتصدير الطاقة من روسيا إلى الصين الشعبية، فيما لو خسرت الأخيرة السوق الأوروبية عقابا لها على موقفها المنحاز لروسيا، وسيناريوهات أخرى كثيرة لدى جانبى النزاع فى مرحلة ما بعد الحرب إن وقعت، لعل أبرزها أيضا المساعى الأوروبية لتأمين استيراد الغاز من قطر وأذربيجان وغيرها كبديل للغاز الروسى.

أوروبا بكل تأكيد لديها مصلحة مباشرة وأساسية فى تخفيف حدة التوتر وإنهاء الأزمة التى تشكل خطرا على أمنها، فرنسا مع ألمانيا  باعتبارهما عضوين إلى جانب روسيا وأوكرانيا فى رباعية  النورماندى "نسبة إلى الاجتماع الذى حصل فى النورماندى عام 2014، بهدف تسوية الخلافات بين روسيا وأوكرانيا" - تحاولان احتواء التصعيد والبحث عن تسوية سياسية.

ماكرون هاتف الرئيس الأمريكى بايدن ليلا، وفى صباح اليوم التالى التقى بوتين فى موسكو، وها هو الآن فى كييف، وحين تراجع ما ورد فى المؤتمر الصحفى لبوتين وماكرون نستنتج أن المحصلة لا شىء، وتصورى أن ماكرون ذهب خالى الوفاض لكييف، ليس لديه ما يبنى عليه، فالثعلب الروسى حول الزيارة إلى مجرد وصلة مجاملات لطيفة، الرئيس الفرنسى كان يأمل فى الحصول على هدنة ولو شهرين لحين انتهاء الانتخابات فى إبريل المقبل، والخلاصة أن التحركات الأوربية حتى فى مساعيها للسلام تنحاز للحليف الأمريكى، ولم تشكل قوة يعتمد عليها لإنهاء الأزمة، بما يعكس سيطرة واشنطن على القرار الأوروبى.

روسيا رئيسا وخارجية وإعلاما حذرت من التدخل العسكرى الغربى فى المنطقة، واستمرار إمداد كييف بالأسلحة المتطورة وتأكد رفضها المساعى الغربية لانضمام أوكرانيا وجورجيا إلى حلف شمال الأطلنطى، باعتبار ذلك تمركزا لواشنطن على حدود منطقة النفوذ الحيوى الروسى وهذا ما ترفضه روسيا تماما، وترفض أيضا وجود أى قاعدة عسكرية أمريكية فى البحر الأسود، بما يمثل تهديدا لأمنها القومى.

الرد الغربى على الموقف الروسى يطرح كل البدائل كعناوين مفتوحة دونما تحديد، وكلها تؤكد رفض المطالب الروسية السابقة، فواشنطن التى سعت جاهدة خلال العقود التى تلت انهيار الاتحاد السوفيتى إلى بقاء بعض دول أوربا الشرقية من دون منظومة أمنية مستقلة، وتستغلها تحت ذريعة الدعم العسكرى الأمريكى، لن توافق على استقلال القرار الأوروبى، وستواجه الدول الداعية لذلك الاستقلال، ولن تسمح بتطويع أو تطويق حلف الناتو لأنها ببساطة لديها مخطط جيوستراتيجى، تريد تنفيذه وسيكون الاجهاض مصير أى مساع دولية لدى واشنطن لخلق تفاهم سياسى أو تعاون اقتصادى مع روسيا، فليس لدى واشنطن الآن سوى حديث عن الحرب والاقتصاد، والمحصلة أن كلا الطرفين يقترب من اللحظات الحرجة.

الواقع يؤكد أن الحرب قادمة لا محالة فى ظل ثبات المعطيات فى هذه الأزمة، والعالم يترقب لحظة سيدفع ثمنها الجميع بأشكال وبدرجات مختلفة، فالاقتصاد الأوكرانى لن يقوى على تحمل فاتورة هذه الحرب ولا طاقة له لمواجهة جحافل العتاد الروسى فى ظل معاناة الاقتصاد الأوكرانى التى ليست غائبة عن المشهد سواء للروس أو للأمريكان.

أما الغرب الذى ما زال أسيرا لنبرة القطبية الواحدة، فهو غير مدرك أن الظروف قد اختلفت وأن الانخراط المباشر فى القتال على الأراضى الأوكرانية وتحمل مسؤولية تداعيات الحرب، أمر فى غاية الصعوبة لواشنطن فى ظل سيطرة روسية فى البر والبحر والجو، أما لو ارتكبت واشنطن أى حماقة بدافع من العنجهية والتغطرس سترد روسيا بكل تأكيد وستكون هذه موقعة الثأر التى تحدث عنها بوتين أو ما يسميها الإعلام الروسى حرب الضرورة التى لا تراجع فيها ولا استسلام.

وعلى ذكر الإعلام، فقد لعب دورا كبيرا فى الأزمة، وفى تصورى أنه يقدم نسخة محدثة للحرب الباردة، فمن جانبه يصور الإعلام الروسى، الغرب على أنه غول يريد التوغل فى مناطق النفوذ الروسى ويبحث عن أى مساحة من شأنها تطويق روسيا وتجريدها من أدواتها وإضعاف موقعها وتقليص دورها، وليس خافيا أن الإعلام الروسى يقدم تصور الرئيس بوتين شخصيا لمستقبل بلاده وتحدياتها، وبوتين اعترف شخصيا أن انهيار الاتحاد السوفيتى السابق كان أكبر خطيئة جيواستراتيجية فى القرن العشرين، فتحت شهية حلف شمال الأطلنطى الذى تقوده الولايات المتحدة الأمريكية لضم المزيد من الشرق الأوروبى، ومنذ ذلك التاريخ يفكر بوتين حتى قبل أن يصل إلى مقعد الرئيس بعقلية القلق دائما والذى يرى أن الواجب الوطنى يحتم التصدى لمشروع الناتو الذى يستهدف حصار روسيا، ويتمادى فى الاقتراب من مناطق نفوذها مستهدفا الوصول إلى البحر الأسود وأوكرانيا وجورجيا، بعملية عسكرة أوروبية صريحة مصحوبة بالتهديدات بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا، لذلك يقود بوتين هجوما مضادا عبر السياسة والإعلام ويعتبرها موقعة ثأر كبرى.

فى الجهة المقابلة، يصور الإعلام الأمريكى روسيا على أنها تستعد لغزو جديد ربما يكون بداية لحرب عالمية ثالثة كفيلة بإمراض القاراة العجوز، ويبث ليل نهار قصصا خبرية وحكايات عن آلاف القتلى وملايين النازحين المحتملين حال قيام بوتين باجتياح كامل لأوكرانيا، ولا مانع من الترويج للهيمنة الأمريكية ولدغة العقرب الجاهزة وقت الضرورة.

أمام هذا التراشق الإعلامى من الطرفين تبدو حسابات السياسة دائما أوسع وأكثر تعقيدا من حسابات الإعلام، فالأخير أدار التغطية بمنطق الندية التى تحكمها الرؤى من هنا وهناك، أما السياسة فبحورها أوسع من البحر الأسود ذاته الذى يحتشد حوله الآن آلاف الجنود من الجانبين، وبحسابات السياسة على سبيل المثال: هل الرئيس بوتين قلق فقط مما وصفه توغل الناتو؟ لا أظن، بالتأكيد هناك مخاوف أخرى لدى بوتين ربما أخطرها من وجهة نظره أن تهب رياح ربيع غير مرغوب فيه لشرق أوروبا أو أن يثار حديث عن ثورات ملونة تلك التى يصورها الإعلام الروسى على أنها صنيعة الصهيوأمريكية ورجالها الممولين مثل جورج سورس ورفاقه ويعتقد أنَّها تدار من السفارات الأمريكية فى انتهاك صريح لسيادة الدول ومصالح الآخرين.

وهل الناتو وأمريكا تنحصر مخاوفهما فقط من الغزو الروسى فى احتمالية عودة روسيا كقطب ند لها فى معادلة القوى؟ فى رأيى ليست هذه فحسب مخاوف واشنطن، وإنما القلق الأكبر هو من الشراكات الكبرى التى تديرها موسكو فى العالم، والتى بلا شك تشكل خطرا سياسيا واقتصاديا على واشنطن، التى تعلن عبر إعلامها أنها لا يروق لها مصطلحات من عينة "النمور الأسيوية" و"التنين الصينى" و "الدب الروسى" والتعاون الذى يشبه الحرب فى حديقة الوحوش.

الأمر جد معقد والأزمة تفقد مع الوقت أى بوادر أمل لحلها، لكن بحسابات السياسة أيضا، فقد تعلمنا أن وضع وقيمة الأوراق على الطاولة قد يغير نتيجة اللعبة فى لحظة، ولو أن الأطراف جميعها كشفت ما لديها من أوراق خفية ودخلت فى حوار جاد تحكمه سياسات متوازنة، تغلِّب أطروحات السلام قد لا يقع المحظور، وقد ينجنب الجميع حربا عالمية ثالثة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز