د.حسام فاروق
أنا وبلا فخر من هؤلاء الذين عرفوا الحب بأغانى أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وكتبوا الرسائل المعطرة على الورق الملون ووضعوا الورود فى "كشاكيل" المحاضرات وسجلوا الأغنيات على طريقة" كوكتيل الحب" فى شريط الكاسيت القديم، وكانت كلمة "بحبك" بالنسبة لهم عهد وميثاق، وكانوا يحددون يوم حظهم بأى أغنية ستغنيها أم كلثوم فى إذاعتها اليومية، أنا ممن "فاتوا" كثيرا على بيت الحبيب، طمعا فى لمحة منه، وكم قلت "جريح يا أهل الهوى" مثلما قال عبد المطلب فى مشواره "يوماتى مرتين م السيدة لسيدنا لحسين"، أنا من الذين تغزلوا فى العيون السود وليل الشعر، ونهار الجبين، وورد الخدود، أنا الذى سمعت الشجن فى رنين صوت حبيبتى، والله لم أسمع أجمل منه لا قبل ولا بعد، لغتى رصيدها حب حقيقى من زمن احترم المشاعر وقدس كبرياء الأنثى، زمن نحن إليه الآن وسط صخب التكنولوجيا.
الآن تغير كل شىء، فلا الأحبة أحبة، ولا الزمان هو الزمان، فى عصر "الديجيتال" وعوالمه المفزعة، تسللت إلى أسماعنا مفردات جديدة، قالوا أنها تعبر عن الحب! وكم نشهد كل يوم قصصا جديدة، زعموا أنها قصص للحب! فهذه مثلا حكاية نشأت افتراضيا على "فيسبوك" تنتحل صفة "قصة حب"، أحد أطرافها فى الشرق والآخر فى الغرب، توهم الطرفان أنهما يعيشان الحب! وحين يخرج كل منهما من حسابه على "فيسبوك" ويعود لعالمه الحقيقى، يبتسم كتلميذ الإعدادى الذى نجح فى تجربة معملية داخل معمل الكيمياء، ويضحك كصياد غمزت سنارته بعد قليل من الصبر.. عالم غريب خفى، مخيف، هلكت فيه الأنوثة ونفذت صلاحية الرجال، أصبحت القصص الغرامية تباع على العربات فى فضاء إلكترونى فاضح، لا يفصح عن محتواه فى البداية، حتى وإن جذبك دونما ترتيب منك إلى عالمه، قد لا تتمكن من الخروج، وإن خرجت فأنت بقايا إنسان هالك، ستستغرق وقتا حتى تضمد جراحاتك وتقوى.
أوجدت التكنولوجيا جيلاً جديدًا معظمه لا يعرف الحب الحقيقى، يتعامل مع المشاعر على أنها مساحة من الوقت لملء الفراغ، أو قل إنها لعبة "مميكنة" مسلية، تتحدد فيها مراحل اللعب عبر مجموعة من المفردات غير المفعلة على لوحة مفاتيح الهاتف، بإمكانك أن تفعلها كيفما تشاء، فقط تلمس شاشة هاتفك بأطراف أناملك، ولك ما تشاء من قاموس الرموز التعبيرية "الاستيكرات" لترد على الطرف الآخر، "الحبيب الافتراضى" بلمسة أخرى، دونما تفكير فى شىء، أمر أشبه بتعليب وتغليف وتجهيز المشاعر لمن يطلب، كل شىء موجود فى صور وفيديوهات بداية من الأغانى وحتى الورود، لكنها تبقى ورود مستهلكة تمر على كل الناس وتستخدم فى الحب وفى"الشقط" معًا!
كنا فى زمن ما قبل السوشيال ميديا والهواتف المحمولة نعتبرعيد الحب فرصة للاعتراف به لأول مرة، أوللتأكيد عليه، وتجديده، وكنا نبذل الكثير لنجعله يومًا رائعًا، وكان الاستعداد له فرصة للتفكير فى العلاقة نفسها وتفاصيلها، وتحديد ما إذا كانت جيدة أم لا، كان الحب كائنا حيا يلامس ضمائر المحبين، مثلما يسكن قلوبهم، ولم يكن وهما ليس افتراضيا، يحكمه "كتالوج" للوقوع فيه و"كتالوج" آخر للفرار منه! فى تغييب تام للقلب والعقل أيضا، لم يكن من السهل علينا عبور تجربة حب فاشلة، كانت تترك فى القلب ندبة لا تنمحى، بيد أننا صرنا فى زمن الحب "المميكن"، قصص تحيا وأخرى تموت فى ساعات قليلة وغيرها تبدأ، أطرافها يقررون بمنتهى السهولة عبر لوحة المفاتيح من مواقعهم وهم يتناولون "الساندوتشات" أو أكواب النسكافيه هل يكملون؟ أم "فركش" و"فكك" من هذا الشريك الافتراضى الذى لم ير كل منهما الآخر رؤى العين! وما يدريك لعله رجل مثله أو امرأة مثلها! أى مأساة تلك التى يعيشها الحب فى هذا الزمان؟
كلمة "حب" وإن كانت من حرفين، وبدت بسيطة وسهلة النطق والحفظ، فهى عميقة المعنى، قد تعصف بكيان الإنسان، تميته وتحييه، لأنها تتعامل مع الروح، ولا سلطان أبدا على انجذاب روح لروح، الحب الحقيقى شعور يخضعك دون أن يسألك، عما إذا كنت مستعدا للوقوع فيه أم لا، بالحب نتألم وبه يطيب الألم، نحن يا أصدقائى ضعفاء، ضعفاء أمام الحب، والله هذا حالنا لو دق الحب باب قلوبنا، الحب يا رفاق عصى على الفهم والتفسير لمن لم يقع فيه.
يا معشر "السوشيال ميديا"، كفاكم ظلما للحب، فهو أرفع من رهانكم وأغلى من تواصلكم "المميكن"، الحب معركة مع النفس وليس موقعة "شقط" أو رغبة غرور لاستهداف شخص، وحين الوصول ينتهى الأمر، الحب أرقى من أن يكون عابرا، وأسمى من أن تدنسه أصابع التكنولوجيا أوتهينه معركة للصورعلى السوشيال ميديا، الحب برىء منكم، فهو قيمة إنسانية سامية كفيلة بتغيير حياتنا للأفضل، وليس محاولة لملء فراغ وإن كان قدر الحب أن يتأثر بتعاقب الأزمنة ويدركه ما أدرك أدواته من تطور تكنولوجى، فلا ينبغى أن يتغير مفهوم الحب وقيمته لدى الناس.
أما عيد الحب الذى نحتفل به اليوم، فهو مناسبة ابتكرها الإنسان بحثا عن السعادة، وليس مناورة عبر مواقع التواصل الاجتماعى أطرافها مجهولة وكل منهما يلعب بالآخر، عيد الحب مناسبة لتجديد الطاقات وإصلاح ما أفسدته قسوة الحياة، وفى تصورى أن يوما واحدا غير كاف لعيد الحب، ففى كل لحظة تفكر فيها بمن تحب فأنت فى عيد.
أخيرًا.. تمسكوا بأحبتكم، تحدثوا إليهم، أخبروهم بما تشعرون، ولا تقلقوا فبأى لغة سيصل الحب الصادق، حتى إن كان بلا لغة، اعترفوا لمن تحبون قبل فوات الأوان، فالحياة قصيرة جدا، وما أقساها أن تفارقون وفى القلب حديث وشوق.