البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
مما لا شك فيه إن الإعلام فى حالة الحرب، قد يتغاضى عن كثير من المعايير المهنية، لكن حتى هذه الحالة لها حدود لا ينبغى تجاوزها، والصدمة تكون كبيرة حين يأتى التغاضى اللامحدود ممن رفعوا طوال الوقت شعارات الانضباط المهنى ونصبوا أنفسهم أوصياء على حرية الإعلام فى العالم، أتحدث هنا عن الحرب الإعلامية الموازية للحرب الميدانية فى أوكرانيا الآن.

حروب الإعلام تستهدف حشد الرأى العام فى إطار تعزيز المواقف وتبريرها، وينطبق هذا الكلام على الإعلام التقليدى والمعاصر، فالكل يعمل وفق الظرف الذى تهيئه له دولته - سواء كانت طرفا رئيسيا فى الصراع أو اختارت أن تكون مع طرف ضد آخر – والحديث عن حرية الرأى والتعبير والشفافية والديمقراطية وغيرها من المصطلحات التى تستهلكها الدول الكبرى فى الإعلام عند حديثها عن منطقتنا العربية وصراعاتها يبقى مجرد كلام فارغ.

فى الوقت الذى تحاضرنا فيه الولايات المتحدة زعيمة الغرب الحر الديمقراطى وبريطانيا وألمانيا وفرنسا حول حرية التعبير والديمقراطية وحقوق الإنسان وما إلى ذلك من شعارات، وتندد جميعها بقيام بعض الدول بحجب مواقع إخبارية تابعة لمنظمات إرهابية كانت بمثابة أدوات تخريب وليست رأيا، تحجب هى الآن كل منافذ الإعلام الروسية أو من أى بلد لا يتبنى الرواية الغربية عن الحرب الأوكرانية، وعلى الجانب الآخر قامت روسيا بالرد بالمثل وحجبت بعض وسائل الإعلام الأمريكية ومنعت وصولها فى روسيا وكل طرف اتهم الآخر بأنه يكذب، وتبقى الحقيقة دائما هى أول ضحايا الحروب.

دعاة الرأى والرأى الآخر فى الدول الكبرى يحجبون الآن الجانب الآخر من القصة الروسية الأوكرانية!! فهل مطلوب إذا أن نصدق إعلامهم حين يتحدث عن قضايانا ويعطينا دروسا؟!

بمجرد بدء العملية العسكرية الروسية فى أوكرانيا طالب مسؤولون أوكرانيون شركات التكنولوجيا، بأن تلعب دورا فعالا فى الحرب، وقال نائب رئيس الوزراء ووزير التحول الرقمى الأوكرانى ميخايلو فيدوروف للرئيس التنفيذى لشركة أبل تيم كوك: "نحتاج إلى دعمكم"، وقال أليكس ستاموس، كبير مسؤولى الأمن الإلكترونى السابق لدى فيس بوك، فى تغريدة على حسابه بموقع تويتر: من المناسب أن تختار الشركات الأمريكية طرفا تنحاز إليه أثناء الصراعات الجيوسياسية، وأوقفت إدارة موقع يوتيوب العديد من القنوات الروسية ومنعتها من الحصول على أموال عبر الإنترنت.

كما منعت شركة جوجل وسائل الإعلام الروسية من بيع إعلاناتها، وحظرت تحميل تطبيق "روسيا اليوم" فى حين سمحت هذه الشركات جميعها بنشر محتوى غير موثوق بثته بعض الجهات الإعلامية فى أوكرانيا والغرب بما فى ذلك فيديوهات وأفلام وتقارير ثبت زيفها حول حالات الذعر التى تنتاب المدنيين عند إطلاق صافرات الإنذار أو تعرض لصور أسرى جنود روس وآليات روسية مدمرة تبين لاحقاً أنها جميعها مزيفة.

وفى روسيا تم حجب راديو أمريكا وهيئة الإذاعة البريطانية بى بى سى، ونستطيع القول أن الإعلام فتح جبهة أخرى للحرب لا تقل خطورتها عن حرب الصواريخ والقاذفات، فتكنولوجيا الاتصال الجديدة استخدمت من الطرفين بتطرف لا يقل عن الإرهاب الفكرى بداية من فرض رقابة على المحتوى وصولا لحجبه، وهنا يتضح أن السياسة هى من توجه الإعلام، والنزاهة والحيادية، كذبة كبيرة.

لست هنا لأبرر الحرب فالحرب مؤلمة فى كل حالاتها ومؤذية للشعوب، كما أننى لا أريد أن أفهم على أننى أقف مع طرف ضد آخر فلا أحد مع الحرب لما تسببه من دمار، لكننى أتحدث فقط فى المسألة الإعلامية، فى الإعلام السياسى الذى درسته وتخصصت فيه، وأرى أن الأمر يتطلب قدر من التفكير، لا لتبرير ولكن لمحاولة كشف الحقائق التى غالبا ما تكون أولى ضحايا الحروب.

فيكفى مثلا أن أسوق لكم مثالا لمقطع فيديو تم ترويجه على نطاق واسع عبر الإعلام الغربى تحت عنوان عريض (انتهاكات الجيش الروسى فى الشيشان)، فى إطار ضخه اليومى لعدد لا محدود من الصور والفيديوهات ضمن ما ينشر من الطرفين عن الحرب والتى تحمل اتهامات لجنود الطرفين دون محاولات توثيقها، يصور أحد المشاهد المؤلمة حاملا توصيف (جندى روسى فتح نيران سلاحه تجاه رجل وسيدة فى الشيشان)، وخلال المقطع المصور يظهر عسكرى يتنمر على رجل عجوز تقف إلى جانبه امرأة شابة، ثم يفتح العسكرى النار عليهما، لكن الحقيقة أن هذا مجرد مشهد من فيلم صدر عام 2014، وتجرى أحداثه خلال حرب الشيشان الثانية، لعل أحد التعليقات المثيرة للجدل ما كتبه ناشرو المقطع: "هذا ما فعله الروس عندما دخلوا إلى الشيشان إعدام رجل عجوز مسلم كان يقرأ الفاتحة، ومعه زوجته".

ويعود تاريخ انتشار الفيديو إلى يوم 3 مارس الماضى ونال آلاف المشاركات، ويحمل الفيلم الذى جرى اقتطاع المشهد منه بـ(The search) من إخراج ميشال هازانافيسيوس ويناقش أحداثاً دارت فى حرب الشيشان الثانية عام 1999.

أثبتت حرب أوكرانيا أن ما كانت تشتكى منها الديمقراطيات الغربية من تأثير الصين وغيرها فى توجهات الرأى العام لديها فى انتخابات وغيره مستخدمة الإنترنت، تقوم هى الآن باستخدامه بنفس الطريقة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز