د.حسام فاروق
والأماكن تستعصى على التلاشى أو الاندثار، وكأنه شيء لابد منه فى أعمارنا، مثلا مثل مرحلة دراسية كالابتدائية أوالإعدادية أوالثانوية، هل سمعتم يوما أن مرحلة منها قد ألغيت أو ماتت؟!، ولدنا نسمع عبد الحليم، وكبرنا نسمع أباءنا يتحدثون عنه بحنين وشجن، وحزن أحيانا كثيرة، كان الصوت الذى يشبه أحلام صبانا، النغمة الحزينة التى تشبه البكاء المختنق، تتسلل إلى وجداننا بمنتهى السهولة، حكايته مع اليُتم والمعاناة والألم، والنجاح والنجومية، ثم المرض والموت، كأنها النموذج الأصلى لرحلة البطل فى الدراما.
كان عبد الحليم يمثل تجربة مختلفة بمقاييس زمانها، جاء لا يشبه أحدا، كاسرا للتابوهات، لديه من العناد والإصرار ما يكفى ليس لإنجاح تجربة شخص واحد وإنما لإنجاح جيل كامل، وقد كان، خرج من قلب القسوة متعطشا للرحمة والحب والعدل، من ملجأ قاسٍ خافت الأضواء إلى عالم كله أضواء، لم يترك شيئا إلا وغنى له كان ذكياً لدرجة أنه كان يعرف ما الذى يريده منه المستمع، حتى لدرجة أن كل منا كان يعتقد أن عبد الحليم حافظ يعرف حبيبته شخصيا ويغنى له وحده أو كأنه طرف ثالث فى كل حكاية حب، وهو فقط الذى سينتصر للمحبين بصوته.
فى عام 1999، كنت أكتب موضوعا صحفيا عن عبد الحليم حافظ وذهبت لأخذ كلمة عنه من المخرج الكبير الراحل حسين كمال مخرج آخر أفلامه "أبى فوق الشجرة"، وما أن سمع حسين كمال الموضوع حتى ثار بصوت عال وقال "مش عايز يموت، بقالى 22 سنة بقول نفس الكلام عبد الحليم مش عايز يموت"، وبعد أن هدأ قال لى تعالى ننزل أنا وأنت شارع رمسيس، حيث يسكن حسين كمال على مقربة منه، ونسأل أى شخص يمشى فى الشارع هل مر يوم دون أن يسمع عبد الحليم؟ أنا متأكد أن الإجابة لا، فكيف يموت عبد الحليم بالله عليك؟
كان عبد الحليم حافظ ابنا حقيقيا لثورة 23 يوليو 1952، فلم تكد تنجح الثورة حتى بدأ مسيرته فى تقديم الأغنيات الوطنية بنشيد "العهد الجديد"، بعدها قدم أغنية "وفاء"، ومنها إلى "بدلتى الزرقا"، ثم أغنية "ثورتنا المصرية.. أهدافها الحرية، وعدالة اجتماعية، ونزاهة وطنية، وتواصلت الأعمال، صورة وبالاحضان وقائمة طويلة.
أذكر أننى قدمت ورقة بحثية فى العلوم السياسية نهاية التسعينيات حول دور الأغنية السياسية عند عبد الحليم حافظ فى تهدئة أو إثارة الرأى العام، وكنت قد حددت النطاق الزمنى للبحث فى الفترة من نكسة 1967 وحتى عام 1975؛ أى بعد انتصار أكتوبر بعامين، وكان خبرا مختلفا فى قسم العلوم السياسية آنذاك أن يقدم باحث على دراسة الأثر السياسى للأغنية وكان لعبد الحليم علامات مميزة فى تلك الفترة، حيث اعتاد أن يكون فى قلب الحدث، ويغنى له فرحا كان أو جريحا، ورغم أن عبد الحليم كان محسوبا على ثورة 23 يوليو ومعاركها داخلياً وخارجياً، إلا أنه لم يأخذ جانبا أو يكتئب كما حدث لرفيق مشواره مع الأغنية الوطنية الشاعر الكبير صلاح جاهين وإنما غنى للانكسار "عدى النهار" و"أحلف بسماها" وغنى للنصر "عاش اللى قال" و"صباح الخير يا سينا"، كانت أغانيه داعمة للكفاح الوطنى ملهبة لمشاعر، الجماهير فيكفى القول أنه حين غنى "خلّى السلاح صاحى"، صارت نشيدا وطنيا وقت الهزيمة، يتغنّى بها المصريون.
وهنا أيضًا أتذكر جملة قالها لى الموسيقار الراحل الكبير كمال الطويل فى العام 2001 فى حديث تليفونى عن عبد الحليم، قال: كان يغنى الأغنية مثل المنشور السياسى.. الناس ترددها فـى اليوم التالى، كان شديد التأثير فى الجماهير.
دار الزمن دورته وأنتجت الحياة من حلوها ومرها نماذج كثيرة من المغنيين والمغنيات، و طاردتنا التكنولوجيا، حتى أنها الآن تستحضر أرواح كثيرين من عالم الموتى ليغنون على المسرح وبتقنية الهولوجرام، ولا أخفيكم سرا أننى لم أندهش عندما أقيمت حفلات لعبد الحليم بتقنية الهولوجرام، فعبد الحليم نفسه لم يذهب لعالم الموتى حتى نستدعيه وكأنه أمر عادى أن توفر لك تلك التقنية هذا المشهد، بل وأذهب أبعد من ذلك فبينما أطالع فيسبوك قبل أيام رأيت صورة لأحد رواد الموقع كأنه يلتقط صورة سيلفى مع عبد الحليم حافظ، لم أندهش كأن الصورة حقيقية!
لم يكن عبد الحليم مجرد اسم فى قائمة فنانين وإنما كان ومازال نجما غير عادى، يشبه الناس فى كل زمن ولم يصل إلى هذه المكانة، لموهبته فقط ولا لأنه أحدث نقلة نوعية فى شكل وطريقة أداء المغنى أو لأنه طور فى الموسيقى، لكن لذكائه الشديد وحسن إدارته لموهبته، كان يردد دائما أنه لا يقبل غير أن يكون رقم 1 حتى لو جاء ذلك على حساب صحته، وفى مذكراته التى سجلها للإذاعة المصرية قال: "ميهيمنيش أموت بكرة، ميهمنيش أموت بعد 100 سنة، أنا يهمنى لما أموت أكون محافظ على مكانتى"، كان عبد الحليم يشعر بأن عمره قصير ويدرك أن ذلك العمر ليس بالسنوات التى يعيشها، بقدر ما يترك على مستوى الفكر والثقافة والإبداع، ثبتت صحة نظرية عبد الحليم، فها هو فارقنا بجسده منذ 45 سنة لكنه حاضر لا يغيب، وما يزال حديث المحبين وصوت الباحثين عن الحب.