د.حسام فاروق
كنا فى مطلع الثمانينيات واشتريت به راديو تزانزستور للجيب يعمل ببطاريتين صغيرتين، كنت فى المرحلة الابتدائية ومولعا بالإذاعة، كأننى امتلكت الدنيا حين اشتريت هذا الجهاز، صندوق صغير من البلاستيك يقارب حجم كف اليد، بداخله قطع معدنية صغيرة، يصدر أصواتا لأناس كثر ومزيكا وأغانى ومنشدين ومقرئين وحكايات ونوادر، وتمثيليات.
كنت كلما أردت تغيير البطاريات أفتح غطاء الترانزستور الخلفى وأتأمل هذه القطع الصغيرة المتراصة، وخيال الطفل بداخلى يجعلنى أطرح السؤال: كيف لهذه القطع المعدنية الصغيرة أن تستوعب كل هذا العالم بداخلها، لكنى كنت أتجاوز هذه النقطة متمسكا بكلمة إنه "اختراع"، والاختراع فى تصورى شيء قابل لأن يكون مستحيلا وصعب التفسير، دخلت عالم الإذاعة، أو بالأحرى أدخلتنى هى عالمها، وأنا بعد طفل صغير، انشغلت بالأصوات الصادرة عن الراديو، وبدأت أتعرف على كل الإذاعيين فى إذاعتنا المصرية من أصواتهم.
كانت الإذاعة أول جسر عبرت من خلاله إلى طريق الكلمة والمعرفة والمعلومة، وأول نافذة انفتحت لى على عالم الخيال، وأول مشوار قطعته دون أن أبرح مكانى، كان ذلك الصندوق الصغير هو صديقى الكبير، اصطحبه معى أينما كنت، وأعرف مواعيد البرامج والسهرات، كانت تستهوينى حكايات ربما لم تكن مناسبة لطفل فى سنى، لكن فضولى كان دائما ينتصر.
كانت مصر بعد اغتيال الرئيس السادات بشهور قليلة، وكل حكايات الراديو وقتها حزينة وفيها تحليلات عميقة لم أفهمها وقتذاك، وكنت أمر بين المؤشر كالمسافر عبر الزمان والناس، لم أكن أرتدى ساعة يد رغم أن والدى رحمه الله أعطانى ساعته "الجوفيال" العتيقة ذات العقارب المذهبة، هدية لنجاحى فى الابتدائية، لكننى لم أكن أرتديها، كنت إذا وددت معرفة الساعة أفتح الراديو ومما يبث أعرف على الفور الساعة بالضبط، فأنا أحفظ مواعيد ومدد كل برنامج.
كنت فى بداية تعلقى بالراديو مشدودا لإذاعة الشرق الأوسط وبرامجها، لم أنس على سبيل المثال "بصبح عليك" و" فانتاستيكا"، و"شبيك لبيك" و"راديو سينما"، عاما بعد عام كانت تفضيلاتى تتغير بحسب المرحلة العمرية والدراسية، وكانت أسئلتى تكثر، فارتبطت بإذاعة البرنامج العام وبرامجها مثل "لغتنا الجميلة" لفاروق شوشة و"قال الفيلسوف"، و"زيارة لمكتبة فلان" لنادية صالح، و"على الناصية" لآمال فهمى، و"شاهد على العصر" لعمر بطيشة والذى تحول للتليفزيون لاحقا و"صحبة وأنا معهم" لآمال العمدة، و"فنجان شاى" و"حول الأسرة البيضاء" لسامية صادق و"جرب حظك" لطاهر أبو زيد، و"كلمتين وبس"، لفؤاد المهندس، و"لو كنت مكانى" لضياء الدين بيبرس، و"مسرح المنوعات" لعلى فايق زغلول.
وارتبطت ببعض البرامج فى إذاعة صوت العرب مثل: "ميكروفون و200 مليون" و"كتاب عربى علم العالم" و"منتهى الصراحة" و"ألف سلام" لوجدى الحكيم ولم أنس المكالمة الشهيرة التى أجراها وجدى الحكيم فى هذا البرنامج مع عبد الحليم حافظ فى باريس عام 1972 أثناء زيارة علاجية لفرنسا، و"قطوف الأدب من كلام العرب".
وكانت الإذاعة فى رمضان من كل عام وقبيل هذا الطوفان من الدراما التليفزيونية هى مصدر المتعة لملايين المصريين عبر برامج خفيفة ودراما إذاعية شيقة ومكتوبة بعناية شديدة جسدها عمالقة الفن المصرى، استطاعت أن تحفظ اللهجة المصرية فى ذاكرة المجتمعات العربية.
وأتاحت الإذاعة لى مساحات واسعة من التأمل والخيال، وشكلت جزءا عزيزا من جغرافيا روحى، وكنت أكوّن انطباعاتى الشخصية عن المذيعين وشخصياتهم الحقيقية، وكيف تبدو صورهم، أحببت الإذاعة وأحببت مهنة الإعلام، وكان حلمى حين أكبر أن التقى كل هؤلاء الذين تعلقت بأصواتهم منذ الصغر، ومرت السنون وعملت بالإعلام بعد تخرجى وتحققت لى هذه الأمنية، حيث التقيت كثيرين ممن تمنيت لقاءهم قبل رحيلهم، وكافأنى القدر أن عملت مع بعضهم فى برامج وقرأ لى بعضهم تعليقات صوتية كتبتها فى أفلام تسجيلية أعددتها للتليفزيون، وأكرمنى الله أن استضافنى بعضهم فى برامجه فى نهاية مشواره المهنى.
يظل للإذاعة سحرها وجاذبيتها الخاصة، وميزة الإذاعة عبر تاريخها أنها لم تكن تشكل أبدا أى عناء فى التلقى، بالنظر إلى أنها لا تشغل سوى حاسة السمع، تستطيع سماعها فى أى وقت أينما شئت دون ترتيب أو تجهيز أو كلفة، فالراديو موجود فى كل مكان والآن أصبح له جمهور عريض يسمعونه فى السيارات، يرون فيه وسيلة مريحة لتلقى الأخبار ومتابعة البرامج فى أى وقت، ويظل الراديو هو الوسيلة الأكثر حيوية وتفاعلا وجذبا إذ أنه يتماشى مع التغيرات ويطرح طرقا جديدة للتفاعل والمشاركة.
كانت الإذاعة سببا فى تشكيل وعى الكثير من الأجيال، وشاهدا على مراحل هامة من تاريخ مصر ومنطقتنا العربية، بل وفى بعض الفترات ساهمت فى صنع هذا التاريخ، كانت الإذاعة المصرية تقاتل على جبهة أخرى من الحرب، تشارك الأمة أفراحها وأحزانها، انتصاراتها وانكساراتها، وظلت لعقود صانعة للأحداث ومؤثرة فى تشكيلها ومسارها ومضطلعة بدورها التنويرى الكبير فى التثقيف وتعزيز الحوار ودعم الحريات وبناء جسور التواصل بين الرؤى والأفكار إلى جانب مكانتها الخاصة لدى النخبة الثقافية ومحبى الموسيقى.
ولا ينقطع بداخلى الحنين للإذاعة، التى مازلت أبحث بشوق بين محطات الأثير كلما اشتقت لهذا الزمن الجميل، وفى مخيلتى ذاك الراديو الترانزستور الصغير "أبو ستة جنيه"، أبحث الآن على الطريقة الحديثة، نعم الراديو بشكله القديم اختفى، لكن صوته لم يصمت، يصل إلينا بطرق حديثة، وبإمكاننا الآن أن نستمع للإذاعة عبر تطبيق ذكى فى الهاتف أوعبر الانترنت، صحيح تغيرت اللغة والطريقة، لكن بريق الإذاعة لم ينطفئ حتى بعد دخولنا عالم "السوشيال ميديا" وطغيان لغة الصورة.
وفى زمن اقتحمت فيه مواقع التواصل الاجتماعى حياتنا بلا حدود وبدأنا نخرج من جدل إلى جدل وانجرف بعضنا نحو "هوس التريند" بنفس الأفكار، والأسلوب تقريبا، تبقى الإذاعة لغة العقول والقلوب معا، وتظل الأذن موطن العشق قبل العين أحيانا ومفتاح الحواس ويظل الراديو- خلافا لما تصوره البعض- هو الصديق الأصيل، الذى لم تغيره التقنيات ولم "يركبه التريند"، حافظ على تألقه بين مستمعيه ولم تستطع التطورات التقنية الحديثة أن تتجاوزه أو تنسينا محطاته، التى تبث إرسالها حتى الآن ولها جمهورها العريض.
ويحل علينا يوم الثلاثاء المقبل الموافق 31 مايو عيد الإذاعة المصرية بمرور 88 عاما على بدء بثها، كل سنة وصوت بلدنا بخير.