البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
الثقافة أحد أهم مكونات مثلث التنشئة "التعليم والثقافة والإعلام"، وبات من الضرورى وجودها كمادة إعلامية فى ظل حروب الثقافات ومحاولات سرقة، أو محو التاريخ، والعبث بالهوية عبر صورة محدثة من الاستعمار تستهدف الثوابت والموروث.

وأنا من هؤلاء الذين ارتبطوا بعدد من البرامج الإذاعية والتليفزيونية القديمة فى مصر، ناقشت قضايا ثقافية مهمة وعرضت لتجارب وأفكار وآراء المثقفين والمفكرين وقدمت المواهب الثقافية المختلفة، على سبيل المثال لا الحصر، كنتُ أنتظر كل أسبوع البرنامج الإذاعى الشهير "زيارة لمكتبة فلان" للراحلة نادية صالح وفى ذاكرتى حلقات شهيرة قدمتها مع عمالقة الفكر والأدب والفنون.

وأستطيع أن أحكى لكم بعض المواقف منها، وجمل قالها ضيوف البرنامج نصا، وحينما تولت الراحلة نادية صالح رئاسة إذاعة الشرق الأوسط، أذكر أننى قابلتها فى حوار صحفى موسع حدثتنى فيها عن نوادرها مع ضيوف برنامجها الشهير.

ومن الأعمال التليفزيونية، أحتفظ فى مكتبتى الصغيرة ببعض التسجيلات الرائعة منها مثلا حلقة من برنامج "نجمك المفضل" أعدها أنيس منصور، وقدمتها الإعلامية القديرة ليلى رستم فى ضيافة عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين بمنزله فى شارع الهرم "فيلا رامتان"، وضمت كوكبة من الكتاب والمفكرين هم مع حفظ الألقاب "عبدالرحمن الشرقاوى ونجيب محفوظ ويوسف السباعى وعبدالرحمن صدقى وعبد الرحمن بدوى وثروت أباظة وأمين يوسف غراب وأمين العالم وكامل زهيرى، بالإضافة إلى أنيس منصور، رحمهم الله جميعا.

وأحتفظ أيضا، بتسجيل للإعلامية الراحلة أمانى ناشد مع الأستاذ عباس محمود العقاد فى مكتبته، ولدىَّ تسجيل حديث نسبيا أو "قل بالألوان" للإذاعى والشاعر فاروق شوشة يحاور الشاعرين الكبيرين أمل دنقل وعبدالرحمن الأبنودى، رحم الله الثلاثة.

وكنت قد تحدثت مع الخال عبدالرحمن الأبنودى حول هذا التسجيل أكثر من مرة وحكى لى بطريقته المشوقة والجذابة التى لا تخلو من النكات والقفشات المرحة كواليس هذا التسجيل، وكلما عدت إلى بعض هذه التسجيلات أسأل نفسى "لماذا لا يوجد لدينا الآن برنامج من هذه النوعية يكون معنيا فى المقام الأول بقضية الثقافة فى بلادنا؟!.

وقبل أن أفقد الأمل فى أن تتحقق لى هذه الأمنية على مدار سنين طويلة شاهدت مؤخرا، برنامجا اسمه "فى المساء مع قصواء" على شاشة cbc الفضائية، تقدمه وتترأس تحريره الإعلامية قصواء الخلالى، لا أبالغ لو قلت إنه حالة إبداعية خاصة متكاملة الصناعة من المقدمة للديكور والمحتوى والموسيقى والفقرات والضيوف، ذكرنى بما سبق ذكره من برامج ثقافية كانت موجودة لدينا فى الإذاعة والتليفزيون.

استطاعت معدة ومقدمة البرنامج أن تعيد جاذبية الثقافة على الشاشة، فى قالب تليفزيونى عصرى ليكون أول برنامج "توك شو" ثقافى من نوعه على الشاشة المصرية فى عصر الفضائيات والسماوات المفتوحة والقنوات التى قاربت عدد من يشاهدها.

ويبدو واضحا للمشاهد أن المذيعة على صغر عمرها، مثقفة من طراز رفيع وليست كهؤلاء الذين يحفظون بيتين من الشعر وجملتين من الأدب يستعرضون بها فى برامجهم، فهى تناقش وتخوض فى أدق القضايا ولديها ثراء معرفى ولغة سليمة، ومستعدة دوما للاشتباك مع ضيوفها فى معارك هى عليمة كيف تربح فيها ويربح معها المشاهد على أن يتم ذلك بمنتهى الاحترام والإجلال لضيوفها.

جذبتنى حكايات لم تروَ عن ضيوفها وشخوصها أبطال حلقاتها، كانت هى سباقة بالنبش فى تفاصيلها والخروج بالدرر، أعجبتنى لغتها العربية حوارها المنمق والمضبوط، وكنت أمام وجبة ثقافية دسمة وشيقة.

"فى المساء مع قصواء" توك شو ثقافى شامل يهتم بالثقافة والوعى وبناء الإنسان ويشهد تنوعا فكريا فى الفقرات المقدمة ما بين ثقافية وفنية وتراثية ومعرفية، فى قوالب مبسطة بلا تعقيد، حاولت قصواء إزالة ذلك الجدار بين المتلقى العادى والمادة الثقافية واجتهدت لتلغى ما روج لسنوات عن أن البرامج الثقافية تقدم للنخبة ولا يقبل الكثيرون عليها، وكسرت علاوة على ذلك، مصطلح الاستصعاب الذى يروج له بعض صناع الإعلام ممن يعتبرون المادة الثقافية صعبة وتوظيفها يحتاج ملكات خاصة وجهد قد لا يتوفر كثيرا.

نجحت قصواء بهذا البرنامج أن تجعل العلاقة بين الإعلام والثقافة علاقة طردية حميمية، وأجابت على السؤال الصعب "كيف نسوق للثقافة وللمثقفين عبر الإعلام فى زمن التواصل الاجتماعى؟ وأثبتت ببراعة أن الاعلام بإمكانه أن يقوم بهذه المهمة وينجح فيها، إذا أدرك صانع المحتوى الإعلامى ماذا يريد الإعلام من المؤسسة الثقافية، وكيف تكون الشراكة بين المؤسسات الثقافية والإعلامية، وأثبتت قصواء ابنة قبائل مطروح المفتونة بسحر بيئتها، أن علاقة الثقافة بالإعلام تماما مثل علاقة الأمواج بالشواطئ، لا يفترقان.


نعم، علينا أن نعترف بأن دور الاعلام تغير كثيرا عما مضى وهذا بالطبع، أثر على هامش الثقافة فى الشاشات، وعبر الإذاعات لصالح أخبارالسياسة والاقتصاد، فالاعلام مشغول بأشياء أخرى كثيرة إلى جانب الثقافة، والتطور التكنولوجى الكبير فى عالم الاتصالات جعل الاعلام فى جيب كل شخص.

وهذه ميزة استفادت منها الماة الإخبارية أكثر، فأى خبر ينتشر فى دقيقة واحدة أو حتى بعض منها عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وهذا ما جعل المجالات الأخرى أكثر رواجا عبر الإعلام من الثقافة وقضاياها، وكوننا نجد برنامجا كهذا وسط هذا الزخم والانحياز لمواد تليفزيونية بعينها فهذه ميزة عظيمة.. نشكر بها قصواء والقناة التى تحمست لهذا القالب التليفزيونى المتفرد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز