د.حسام فاروق
التاريخ يوثق أن مصر لم تكن أبدا مجتمعا من القاسية قلوبهم، وأن الطيبة والرحمة والتراحم صفات متأصلة فى الشخصية المصرية وأن الحضارة التى نشأت على ضفاف النيل قبل آلاف السنين شكلت المصرى القديم بملامح الماء والزرع والنماء فجعلت منه إنسانا لينا لطيفا.
قبل ساعات انتشر عبر موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك مقطع فيديو، يوثق جريمة بشعة شهدتها مدينة المنصورة، إذ اعتدى طالب بجامعة المنصورة على زميلته بسكين بطريقة وحشية أمام بوابة الجامعة، طعنها وألقى بها على الأرض محدثا جرح قطعى بالرقبة، متجردا من كل معانى الرحمة، أنهى حياتها فى ثوان معدودة، فى واقعة غريبة الأطوار وغير متوقعة، حدثت بشكل مفاجئ، المجنى عليها طالبة بكلية الآداب جامعة المنصورة، ومقيمة فى المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، والقاتل أيضا طالب بنفس الكلية، علقت إحدى زميلات القتيلة قائلة: "إحنا كنا رايحين نمتحن فى أمان الله عادى.. لقينا الموضوع مجزرة مش امتحان"
من المبكر الحديث عن الأسباب، فالواقعة برمتها الآن فى أيدى النيابة العامة، والجانى قيد التحقيق.
المقطع بكل تفاصيله يعكس لنا كم التشوه الذى حدث فى الشخصية المصرية ويثير الفزع مما هو آت؛ لو لم نتدارك هذا التشوه، فهذا الشاب إبن واحدة من محافظات دلتا النيل عرف عن أهلها الطيبة والسلام؛ كيف تجرد من كل معانى الإنسانية والرحمة ليفعل ذلك بفتاة بحسب ما ورد عن زميلاتها كانت إنسانة طيبة ومحبوبة من الجميع، لم تؤذ أحدا، فبأى ذنب قتلها دون وخز من ضمير؟!
ومع الأسف هذه ليست الواقعة الأولى من نوعها مع اختلاف الحكاية والظروف،فقبل شهور قليلة تناقل رواد "السوشيال ميديا" أيضا مقطعا مصورا لرجل من محافظة الاسماعيلية يذبح رجلا فى الشارع وشغلت تلك الواقعة الرأى العام، وعرفت بقضية "سفاح الإسماعيلية"، ولو طالعنا صفحات الحوادث فى الصحف وعلى المواقع الإلكترونية سنجد تغيرا كبيرا فى منحنى الجريمة خاصة داخل الأسرة، جرائم لم نكن لنصدقها إذا قدمت فى أعمال فنية كنا سنقول إنها من خيال المؤلف، لكنها الآن على أرض الواقع!!
ما الذى تغير فى سلوكيات الناس الطيبة؟ يبدو أن شيئا ما يحدث مع مرور السنين يحتاج أن نتوقف عنده، ربما ارتبط بانفتاح العالم على بعضه بفعل الاجتياح التكنولوجى لعالم الاتصالات والإعلام، فكل المجتمعات تعرف الآن عن بعضها الكثير بالصوت والصورة الطيب والخبيث،و هناك تناقل للتجارب بحلوها ومرها من أقصى العالم إلى أدناه، دونما وعى أو تدقيق فى بعض الأحيان، أيضا اقتحمت المجتمعات قصص لم نكن لنتخيلها فى أحلامنا أو بالأحرى لم نكن لنحلم بها ككوابيس، قصص مبتكرة للقتل والانتقام نقلتها الدراما والسينما فى جانبها المفزع تحت عنوان حرية التعبير وحرية التلقى ونعود هنا لنؤكد أن الوعى بات هو الحل الوحيد للنجاة.
وهنا يجب أن نتذكر دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى خطابه أمام مجلس النواب منتصف عام 2018 إلى وضع استراتيجية بناء الإنسان المصرى على رأس أولويات الدولة خلال المرحلة القادمة يقينا منه بأن كنز أمتنا الحقيقى هو الإنسان والذى يجب أن يتم بناؤه بحيث يعاد تعريف الهوية المصرية من جديد، تعود الشخصية المصرية لطبيعتها الحسنة المعطاءة الرحيمة اللينة.
فى كل مرة بعد ساعات من تداول هذه الوقائع على "السوشيال ميديا" تتحرك السلطات المختصة وتلقى القبض على هؤلاء الجناة القاسية قلوبهم مفتقدى كل قيم ومعايير الإنسانية ويتم التحقيق معهم ومحاكمتهم، وتوجه إليهم تهم القتل والشروع فى القتل وغيرها من التهم وتنشر "السوشيال ميديا" أيضا العقوبة التى يتلقاها الجانى.
فى تصورى أن الأمر لا يجب أن ينتهى عند معاقبة الجانى وفضحه عبر الإعلام، فنحن بصدد خطر أكبر من الجريمة نفسها، خطر يهدد ثقافة المجتمع وسماته التى تتغير تدريجيا نحو الأسوأ، نحتاج إلى علاج المجتمع من مثل هذه التشوهات، فلم يكن المصرى أبدا بهذه القسوة، كنا دائما نموذجا للرحمة والتراحم، معروفين فى كل أنحاء العالم بالطيبة وخفة الروح وحلاوة المعشر، ما الذى تغير فينا؟ كيف وصلنا هذه الدرجة من التشوه؟
هذه الظواهر السلبية ليست وليدة اليوم أو الأمس لكنها نتيجة عقود متراكمة من التقلبات والتطاحنات التى اجتاحت كل المجتمعات وليست مجتمعنا المصرى فحسب، وتم ترجمتها إلى سلوك عنيف وبمرور الزمن قد يتحول السلوك تدريجيا إلى ثقافة فى ظل غياب أو ضعف واضح لمؤسسات التنشئة، المسؤولة عن منظومة الأخلاق العامة فى المجتمع، والتى تبدأ مهامها مع الإنسان منذ الصغر وتعمل على تقوية العلاقات والروابط الأسرية والاجتماعية التى تنشىء إنسانا سويا خاليا من عقد النقص متفاعلا مع مجتمعه.
أصبحنا فى حاجة ماسة إلى إعادة ضبط أخلاق المجتمع وسن تشريعات جديدة تخدم هذا الاتجاه وتغلظ عقوبة هؤلاء الذين يقتلون قيم الإنسانية قبل أن ينهوا حياة الناس، نحتاج أن نزيح عن الشخصية المصرية غبار الضغوط الذى راكمته عقود مضت ونعيدها لسالف صفاتها الحلوة.