د.حسام فاروق
انقضَّت جماعة الإخوان الإرهابية على السلطة على حين غرة وأخذت تعبث بهوية مصر وثوابتها الوطنيّة والعربيّة، أحدثت شروخا فى المجتمع، وأضرت بالأمن الاجتماعيّ، أدخلت البلاد فى نفق مظلم وكادت تعيدها عشرات السّنين إلى الوراء؛ ضاق الخناق على المصريين وضاقت صدورهم بما يرونه ويسمعونه، زاد الشّعور بالحنق الجمْعيّ والخوف من المجهول؛ وفى غمرة هذا الإحساس الصعب يشاء الله أن تتحقق المعجزات، الشعب المصرى الذى يصعب على كل علماء النفس والاجتماع التوقع بسلوكه، استشعر الخطر، فتحولت كل مخاوفه إلى دافعٍ إيجابى للخلاص من هذه الجماعة الإرهابية، ووقف نزيف الانحدار وانتشال البلاد من كبوتها.
ما كان المصريون ليتركوا وطنهم هكذا يضيع، وما كانت ثورة 30 يونية 2013 غير تلك اللحظة التاريخية الفارقة فى تاريخ مصر الحديث، التى عكست إرادة التحدى لدى ملايين المصريين الذين قرروا تصويب اعوجاج انتاب مسيرة الدولة الوطنية كاد أن ينحرف بها ويأخذها إلى المَهالك، خرج الصامتون عن صمتهم وانتفض المتكئون على الأرائك من أماكنهم وبإرادةٍ واحدةٍ موحَّدة، قرر الجميع رفض الهوان واسترداد البلاد التى سرقتها الجماعة الإرهابية فى غقلة من الزمن، ما حدث فى 30 يونيه أبدا لم يكن معركة سياسية وإنما كان معركة شعب يحافظ على هويته من الاختطاف ويبحث عن الخلاص بإزاحة هذه الجماعة قبل أن تمدد السيطرة على مفاصل الدولة.
كان يوم 30 يونيه فى رأيى، يوم الزحف الكبير فى التاريخ المصرى، تكمن قيمته فى أن المصريين رفضوا أن تسرق هويتهم تحت شعارات مزيفة، خرج قرابة الثلاثة وثلاثين مليون مصرى ضد محتل من نوع جديد، تاجر بالدين لمصلحة حفنة من البشر غير الأسوياء سعوا إلى تغيير بنية المجتمع الثقافية.
أثبت المصريون للعالم أن الرهان على الشعب هو الرهان الرابح، فقد أسقطت ثورة 30 يونيه قناعات الغرب وتحديدا الأمريكان الذين راهنوا على صعود فصيل إرهابى تحت مسمى تيارات إسلامية والكل يعلم أن الويات المتحدة لم تكن لتدعم الإخوان حبا فيهم، ولكنها كانت فقط تستخدمهم لتحقيق هدفها فى المنطقة، روجت إدارة بارك أوباما ووزيرة خارجيته هيلارى كلينتون كثيرا لمقولة أن الإخوان هم الأكثر شعبية، وأن مخطط الشرق الأوسط الجديد لن يكتمل من دون صعودهم إلى السلطة فى عدد من البلدان العربية، وهو ما ثبت خطؤه، وخطورته، حيث أن شعبية هذه التيارات فى مرحلة معينة بنيت على ضعف الدولة، وغياب التنمية فيها.
لم تكن المسألة سهلة بعد استعادة الوطن، فبجانب السنة السوداء التى حكمت فيها الجماعة الإرهابية وفرقت فيها بين المصريين وبعضهم البعض، كانت البلاد منذ 2011 فى حالة يرثى لها، اقتصاد عليل وضعف فى الموارد، فضلا عن حجم هائل من المشكلات الداخلية المتراكمة وحالة من التربص تضمرها النهايات الطرفية المنتمية للإخوان فى الداخل والخارج وبعض ممن يسمون أنفسهم النشطاء وموجات متتالية من أعمال العنف ونشر الشائعات والهدف كان إسقاط الدولة وعرقلة جهودها فى التنمية، ناهيك عن ميراث ثلاثين عاما من الفساد والبنى التحتية المتهالكة فيما قبل 2011، فبعد إزاحة نظام إرهابى فاشى كنا بقايا وطن، دفع الكثير من أرواح أبنائه شهداء فى مواجهة مع الإرهاب (مئات المواطنين والجنود ورجال الشّرطة الذين سقطوا برصاص الجماعات الإرهابيّة)، وليس خافيا أيضا ما للحرب على الإرهاب من تكلفة مادية هائلة، لم يكن ليقوى عليها بلد غرق لثلاث سنوات فى فوضى.
كانت مهمة فى غاية الصعوبة أن تستعيد البلاد استقرارها وعافيتها، كما أن فاتورة ذلك كانت باهظة الكلفة على بلد كل شيء فيه يعانى، اختار المصريون الصعب من أجل النجاة من مستنقع الانهيار، وواجهوا كل التحديات بإرادة وصمود وإصرار على العبور.
دخلت مِصْرُ فى حرب مع الإرهاب، وفى نفس التوقيت شرعت فى إطلاق سلسلة من المشاريع القومية الكبرى، وبدت وكأنّها تسابق الزّمن، لتتدارك ما فاتها؛ لا فى العاميْن ونصف العام التى سبقت ثورة 30 يونيه فحسب، بل ما فاتها فى عقودٍ قبلها، فتسارعت الدولة المصرية فى إحداث نهضة اقتصادية كبرى، وتنفيذ عملية إصلاح اقتصادى شامل مخطط ومدورس، وكشفت جائحة كورونا وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية عن أهمية مثل هذه الإصلاحات الآن، والتى جاءت داعمة للاقتصاد الوطنى، قد لا يتسع المجال هنا لذكر الإنجازات التى تحقت لكن على سبيل المثال لا الحصر نذكر مشروعات مثل قناة السّويس الجديدة، والعدد الكبير من المدن الجديدة ومشاريع الإسكان لاستيعاب الأزمة السّكانيّة وتَوْسعة نطاق المشروعات التّنمويّة، هذا إلى جانب شبكة الطرق القومية وتحديث البنى التّحتيّة وتأهيلها، والنّهوض بالزّراعة والرّيف المصرى عبر مشروع المليون ونصف المليون فدّان، والمدن الصناعية والسياحية الكبرى فى منطقة العلمين فى السّاحل الشّمالى، والمتحف المصرى الجديد، ومحطّة الطّاقة النّوويّة بالضبعة لإقامة أربع مفاعلات لإنتاج الطّاقة الكهربائيّة، ومحطّة الطّاقة الشّمسيّة لإنتاج الكهرباء، والعاصمة الإداريّة الجديدة وغيرها من البرامج الكبرى للتّنميّة التى تشهد عليها مصر منذ تسعة أعوام، بعضها تم انجازه وأتى أكله وو البعض الآخر لا يزال فى طور الإنجاز.
من المؤكد الآن أن مصر الآن اختلفت كثيرا عن مصر قبل عقدٍ من الزمان، فنحن الآن أمام دولة تثبتت أركانها وأعيد بناء مؤسساتها الوطنية، وأصبح لها قرارها المستقل، مصر الآن مؤهلة لأن تنهض بأدوارٍ كبيرة فى محيطها العربيّ والإقليمى، فما تنعم به الآن من استقرار يؤهلها للمزيد من الشراكات الاستراتيجية الناجحة على صعيد الاستثمار والاقتصاد والتنمية.
أخيرا، كانت 30 يونيو بمثابة تاريخ جديد للبناء، بناء وطن يتسع للجميع بكل القوى الفاعلة فيه، بناء مصر المستقبل بمؤسسات وطنية مستقلة ومشروعات قومية عملاقة، المواطن فى القلب منها، ونحن نحتفل بمرور 9 سنوات على ثورة الثلاثين من يونيو 2013، علينا أن نفخر بما حققناه، فقد أنقذنا وطن وأعدنا بناءه من جديد.