د.حسام فاروق
أصعب الذكريات على الإنسان فى رأيى ليست فقط فقد عزيز من البشر، ولكن أيضًا فقد الأوطان والأمكنة، فالبشر ينتقلون من مكان لآخر، بينما يظل المكان نفسه لم يتحرك ولم يتحرر، عبر السنين حاملًا للذكريات بفرحها ووجعها، هناك أناس فى العيد بلغوا من الوجع أقساه، وهم يستقبلون عيدًا بعد عيد فى غير أوطانهم، ولسان حالهم "بأى حال جئت ياعيد"، كثيرون مع كل عيد يقتلهم الشوق لأوطانهم، من الوريد إلى الوريد، فعيدهم كأنه جمرة تحرق أنفاسهم الممزوجة بالشوق لأوطانهم.
عظمة التجربة المصرية فى رأيى تكمن فى أننا بوقت من الأوقات كانت الدول القومية من حولنا تتآكل ونحن حافظنا على الدولة، لأننا نؤمن بالوطن ومكانته، ليس هذا فحسب، بل خضنا حربًا مُقدسة - ومازلنا - ضد قوى الشر والإرهاب، وقطعنا ومازلنا أشواطًا عظيمة فى البناء والتنمية الشاملة من أجل المستقبل الأفضل والحياة الكريمة على أرض هذا الوطن الطيب.
فى التاريخ الحديث على اختلاف مراحله، نماذج مأساوية لفقدان الأوطان، وما تعرضت له بعض الشعوب من ذل وهوان، لأنهم فى لحظة من لحظات التاريخ "المخزية" فقدوا أوأُفِقدوا أوطانهم، حينما وقعوا فريسة لمخططات التقسيم والفوضى والتخريب دونما حول منهم ولا قوة، أو لأن بعضهم شارك فى تخريب بلاده بعلم منه ورغبة، فالدول التى سقطت عبر التاريخ إنما سقطت بمعاونة العملاء والمأجورين، تحت شعارات براقة مزيفة، تم ترويجها لاستقطاب ضعاف النفوس، من سماسرة الأوطان، الذين باعوا ضمائرهم وذممهم، ووقفوا فى صف العملاء والخونة، الذين لا يعترفون بالوطن ومكانته، أمام مصالح فئة أوجماعة بعينها، وفى ذلك نتذكر العبارة القبيحة، المنسوبة لمنظّر العنف والإرهاب الإخوانى سيد قطب والتى نصها "ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن"، والتى لخصت طريقة تعامل هذا التنظيم الإرهابى مع الوطن، وكيف يرون ما يجب أن تكون عليه علاقة الناس ببلدانهم، وفى الأخير كل من فقدوا أوطانهم وساعدوا على تخريبها ممن باعوا أو تآمروا أو حتى هؤلاء الذين تخاذلوا عن حماية أوطانهم من الضياع، جميعهم الآن متفرقون فى بلاد الله، فما أصعبها لحظة أن يكون هناك شعب بلا وطن، فالوطن هو الأمان، وفقدانه يعنى فقدان الذات والهوية.
يأتى العيد على بعض الناس وهم ضيوف فى بلدان غير بلدانهم الأصلية، ومهما كانت طبيعة حياتهم فى تلك البلدان التى وفدوا إليها ومهما كانوا مُكرمين ويعيشون رغد العيش أو حتى يكافحون ويعانون، يبقى القاسم المُشترك فى مشاعرهم جميعًا، أنهم يتذكرون أوطانهم وبيوتهم القديمة وعائلاتهم وطفولتهم وصباهم وفرحتهم بالعيد، فالوطن هو واحة الذكريات، يقارنون بين الماضى والحاضر، يترحمون على ثانية عاشوها على أرضهم وتحت سماء وطنهم، ويندمون على أنهم لم يقفوا بجوار أوطانهم فى محنتها، لم يحافظوا عليها، وتركوها تضيع فريسة للمخططات الخبيثة وغادروا مجبرين لبلدان مجاورة.
الحفاظ على الوطن فى رأيى يعتمد فى المقام الأول على الوعى، وهذا ما حدث فى الحالة المصرية قبل تسع سنوات من الآن، حينما شعر المصريون أن وطنهم يُختطف من قبل جماعة إرهابية، لا تؤمن بالوطن، وأن مصيرهم قد يكون مثل هؤلاء الذين باتوا بلا وطن، وفى لحظة تاريخية، ثار الملايين من الناس ممن بدا أنهم فى وقت من الأوقات غير مُكترثين بالسياسة وهمومها، انتفضوا لحماية وطنهم، فهذه مسألة يقينية لا نقاش فيها، خرجوا فى ثورة عظيمة فى 30 يونيو 2013 لاسترداد الوطن والحفاظ عليه من الاختطاف، ولولا هذه الثورة لكنا جميعًا الآن بلا وطن، نتذكر ونتألم مثلما يفعل آخرون الآن على أرضنا، لم يتمكنوا من الحفاظ على أوطانهم.
ومن الوعى أيضًا إدراك أن مهمتنا كمصريين يجب ألا تتوقف عند كوننا حافظنا على الوطن من الضياع ومنعنا اختطافه من قبل جماعة إرهابية ولكن أيضًا علينا إدراك أن المحاولات الخبيثة للنيل من الدولة المصرية وتوقيفها عن طريق النمو والتقدم مُستمرة، ولن تتوقف وتتبع أحدث الطرق وأخبثها فى ظل التطور التقنى لوسائل الاتصال والحروب الدعائية واستخدام الإعلام، وهنا أيضًا يأتى دور الوعى، بعدم الوقوع فريسة لمحاولات الفتنة والتفريق بين الحقائق والأكاذيب والبحث فى المصادر، وكشف أصحاب المصالح والأهداف السياسية.
حفظ الله أوطاننا من كل مكروه وسوء وحمى الله مصر وسدد خطى قائدها ونصر شعبها وجيشها ورجال أمنها، ودام العيد فى مصر أجمل وأحلى ونحن نتذكر أيامنا الحلوة ونسترجع ذكرياتنا فى وطننا، دامت نعمة الوطن.