البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
من وقت لآخر تقوم وكالة رويترز البريطانية للأنباء بمحاولات مكشوفة لتبييض وجه جماعة الإخوان الإرهابية وإعادة تقديمها للرأى العام فى مصر على أنها مظلومة، وتتعامى الوكالة عن جرائم الجماعة وأيديها الملطخة بدماء المصريين، ويبدو أن ثمة تفاهمات بين الوكالة والتنظيم الدولى لجماعة الإخوان خاصة فرع المال فى لندن وهذه واحدة من طرق الإخوان فى الترويج لخططهم التى ينفقون عليها المزيد من المال السياسى أو يخوضون من أجلها حروب دعائية بغيضة لقلب الحقائق وتشويه الواقع، وقد سبق لوكالة رويترز مرارًا الوقوف إلى جانب التنظيم فى كثير من المواقف، ربما يكون أبرزها عند إقصاء الجماعة من حكم مصر بثورة شعبية فى 30 يونيه 2013، لم تر "رويترز" الملايين التى خرجت لتقول لا للجماعة وتقصيها وتعاطت مع المشهد على أنه "انقلاب" فى قلب صريح وفج للحقائق على الأرض، وأمام إرهاب الجماعة وقتلها للمصريين كانت "رويترز" دائما لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم!! وحين تكلمت قالت أن مصر شنت حملة قمع على الجماعة!!

نشرت "رويترز" مؤخرًا تقريرًا عن الحوار السياسى فى مصر، وقالت إنه استبعد جماعة الإخوان، وبدا من سياق التقرير أن الوكالة تستنكر هذا الاستبعاد!، وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى قد حسم السجال فى هذا الملف قاطعا بأنه لا مشاركة للجماعة فى هذا الحوار لأسباب عدة، أهمها أنها تنظيم سرّى وليست كيانًا سياسيًا، فضلًا عن حملها السلاح وقتال مخالفيها وتلطخ أيديها بدماء المصريين وتجارتها بالدين للسيطرة على البسطاء وتبنيها لتوجهات لا تتفق مع البنية الوطنية للدولة المصرية.

اعتبرت "رويترز" ملف "الحوار السياسى" نافذة تطل منها من جديد لتروج للجماعة وتتباكى على ما آلت إليه وتقول أنها لطالما اعتُبرت الحركة الإسلامية الأكثر نفوذًا فى الشرق الأوسط، كانت قوية ذات يوم والآن هى محظورة، ومستبعدة، وفى سبيل إقحام الإخوان فى حوار سياسى لا مكان لهم فيه، استمرت "رويترز" فى كذب غير منمق، وقالت عن نشأة جماعة الإخوان أن حسن البنا أسس الجماعة فى مدينة الإسماعيلية عام 1928 ردًا على الاحتلال البريطانى لمصر، وهذه مغالطة صريحة، فهناك عدد كبير من الوثائق الرسمية البريطانية، وملفات الأرشيف البريطانى التى يُكشف عنها بشكل دورى، توضح التفاهمات بين الإخوان وبريطانيا، وخرجت كتب كثيرة فى هذا الشان منها على سبيل المثال كتاب "الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ العداوة والارتباط"، الصادر عن جامعة هارفارد الأمريكية، للمؤلف "مارتن فرامبتون"، أستاذ التاريخ فى جامعة كوين مارى البريطانية، والذى اعتمد على كم هائل من الوثائق والملفات والتقارير السرية، ويذكر مارتن فرامبتون فى كتابه أن ريتشارد ميتشل أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة ميتشجان الأمريكية ذكر أن قادة تنظيم الإخوان اعترفوا بلقاءات ومناقشات مع المسئولين البريطانيين، خلال الحرب العالمية الثانية، لكنهم على عكس المصادر البريطانية، يقولون إن الاتصال جاء بمبادرة من لندن، وهناك كتاب آخر عن الإخوان للرحالة والمستشرق البريطانى "جيمس هيورث دن"، صدر سنة 1950، ذكر فيه أن الإخوان هم من بدأوا فتح قنوات اتصال مع البريطانيين خلال الحرب العالمية الثانية نهاية 1941 فى محاولة لإقامة نوع من التحالف، وأرسل "حسن البنا" عبر وكلاء، رسالة مفادها أنه مستعد للتعاون مع البريطانيين، معطيًا الانطباع بأنه لا مانع لديه من قبول مدفوعات مالية وليسميها "تبرعات"، ويقول "جيمس هيورث دن" إن ممثلى الجماعة الإرهابية فى تلك الاجتماعات شملوا الإخوانى أحمد السكرى الحليف المقرب من البنا والذى لم يستح أن يطلب مبلغ 40 ألف دولار وسيارة مقابل دعم بريطانيا، ومن ثم فالترويج لفكرة أن الجماعة تأسست للنضال ضد الاحتلال البريطانى لهو كذب تأكد بالوثائق.

ومن كذبة لأخرى مضت "رويترز" فى تقريرها لتقول أن المراجعة الداخلية التى أجراها رئيس الوزراء البريطانى الأسبق ديفيد كاميرون عام 2015 حول نشاط جماعة الإخوان داخل بريطانيا أفادت بأن الجماعة ليست مرتبطة بالإرهاب فى المملكة المتحدة وضدها.. وهذا كلام غير دقيق بالمرة والصحيح وفقا لحديث السير جون جينكينز السفير البريطانى لدى المملكة العربية السعودية وقتذاك، الذى كلفه ديفيد كاميرون برئاسة لجنة المراجعة والذى كتب مقالا نشر فى 11 ديسمبر 2020 بموقع مجلة سبكتاتور البريطانية، بعنوان "ما زالت بريطانيا تفشل فى مواجهة الإسلاميين"، حكى فيه حكاية اللجنة والتقرير وقال إن كاميرون كلفه بشكل مفاجئ فى مارس 2014، بقيادة لجنة لإجراء تلك المراجعة وتقديم تقرير، وفى غضون 4 أشهر، أنجز تقريره ووفقا لمقال جون جينكينز تضمن تقريره والذى رفعه لديفيد كاميرون تحذيرات شديدة اللهجة من نشاط جماعة الإخوان فى بريطانيا وتغلغلها فى عدد كبير من المؤسسات البحثية والحقوقية والتعليمية والخيرية داخل بريطانيا، وفى هذا المقال الذى نشر بعد 6 سنوات من المراجعة قال "جون جينكينز" أيضا أن بريطانيا تباطأت فى اتخاذ إجراءات ضد تنظيم الإخوان، أو بالأحرى لم يفعلوا ما ورد فى تقريره، وبناء عليه فالمراجعة لم تنف عن الإخوان انخراطهم فى نشاطات تتعلق بالإرهاب مثلما كتبت رويترز!!

لا يتوقف التنظيم الدولى للجماعة الإرهابية عن محاولات اختراق المشهد السياسى فى مصر وإيجاد موطئ قدم للعودة من جديد، ويبدو أنهم وجدوا فى رويترز وسيلة جيدة لاستغلال دعوة مصر إلى حوار سياسى وطنى يتسع للجميع، فقادت الجماعة تحركات فى هذا الاتجاه، ودشن عدد من حلفائها فى الخارج حملة توقيعات بشأن ما اعتبرته مطالب تستهدف بناء الثقة واختبار الجدية وحسن النية حول بدء مرحلة سياسية جديدة، و أصدرت جبهة محمود حسين أو ما يعرف بـمعسكر إسطنبول التى دخلت فى صراع عنيف على المال والسلطة مع جبهة إبراهيم منير فى لندن، بيانا رسميا، قالت فيه إن الحوار أداة سياسية وأمر لازم وضرورى، والإرادة الصادقة لإجرائه ينبغى أن تتوفر لها شروط النجاح والاستمرار، ولا تكف أبواق الجماعة الإرهابية فى أوربا ولندن تحديدًا عن الترويج لمظلوميتها المزعومة، مؤخرا جدد يوسف ندا القيادى بالجماعة المقيم فى سويسرا، دعوته للمصالحة، زاعما فى رسالة نشرها موقع "إخوان سايت" التابع لجبهة لندن، أن باب الجماعة مفتوح للحوار مع النظام المصرى بعد رد المظالم، ولا نعرف أى مظالم يقصد، فالشعب المصرى كله هو من لديه مظالم لدى الجماعة الإرهابية فى السنة السوداء التى تسللوا فيها إلى حكم مصر فى غقلة من الزمن، وسبق أن قال "ندا" نفس الجملة فى سبتمبر العام الماضى!

الشاهد أن تحركات تنظيم الإخوان الإرهابى بشأن استجداء الحوار يعكس ما يعانيه التنظيم من عزلة وتخوف من تعميقها وتكريسها مع انطلاق حوار سياسى وطنى حقيقى، ومن ثم سعى لاستغلال الحراك الداخلى الجديد فى مصر، لتحقيق مصالح الجماعة الآنية، وفكك أزمتها الخاصة.

الواقع أن أزمة الإخوان الحقيقية والكبرى ليست مع السلطة فى مصر ولكنها مع الشعب المصرى كله والذى رفض ويرفض وسيرفض المصالحة مع من قتلوا المصريين رغبة فى التمسك بمقاعد السلطة.

أخيرا ورغم أنف "رويترز" ومن على شاكلتها، لا أتصور أن يعتبر أحد فى مصر "الإخوان" شريك فى حوار سياسى، فالمصريون اعتبروا الإخوان صفحة سوداء وطووها فى 2013 إلى غير رجعة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز