د.حسام فاروق
تسمع أحد الناصحين يقول لك: "لا تصدق أن فلانا قال كذا إلا إذا رأيته بنفسك يقول"، ما بالنا اليوم وقد وصلنا إلى مرحلة أن ترى بنفسك فلانا يقول وهو لم يقل شيئا!! على طريقة المسرحية الشهيرة "شاهد ماشفش حاجة" ذلك؛ لأن التطور التقنى الرهيب الذى اجتاح علوم الاتصال وصناعة الصوت والصورة جعل المستحيل ممكنا وبعض خبراء التكنولوجيا يدفعون الآن بأن التزييف مع الوقت سيكون السمة الغالبة فى وسائل الإعلام لدرجة يصعب معها تصديق أى شىءٍ يُعرض على الشاشات.
ذلك أن رؤية الأشياء بعيون المشاهد لم يعد سببا كافيا لكوننا نصدق أنها حدثت بالفعل!! فقد دخل مؤخرا علم الذكاء الاصطناعى فى صناعة مقاطع فيديو لا أصل لها تبدو كأنها حقيقية يصعب كشف تزييفها وكل يوم تُبتكر تقنيات جديدة فى هذا المجال حتى وصلنا اليوم إلى ما يعرف بتقنية الخداع العميق أو (Deep fake) التى تَستخدم الذكاء الاصطناعى والتعلم الآلى لصناعة تسجيلات مزيفة صوت وصورة، لخداع المشاهد بجعل أشخاص يقولون أو يفعلون ما لم يصدر عنهم فعلياً وتستخدم آلية تتجاوز حدود التعديلات التى تجرى للوضوح أو الجودة، من خلال عيناتٍ صغيرةٍ جدًا من صوت و صورة الشخص الحقيقى، وصولًا لنموذجٍ مُقلّدٍ قادرٍ على تضليل المشاهد وجعله يتصور أن الشخص الموجود فى الفيديو حقيقى وقال ما لم يقله بالفعل!! وذلك باستخدام شبكاتٍ عصبية تُعرف باسم (GAN – Generative Adversarial Networks) وتَستخدم التقنية مئات الصور الثابتة للأشخاص من فيديوهاتهم الخاصّة لدراسة ملامحهم واستبدالها بأخرى وخلق أصواتٍ اصطناعية لإنتاج فيديوهات مزيفة مثيرة للجدل من جميع الأنواع، مقابلات التلفزيونية، وتصريحات سياسية، وغيرها بات التلاعب بها أمرًا سهلًا ويتم مشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعى؛ لتنتشر فى كل مكان وهو ما يُهدد مصداقية وسائل الإعلام فى زمنٍ أصبحت فيه الأخبار الكاذبة رقم يعتد به فى المحتوى الرقمى، فى ظل الانفتاح الإعلامى وانتشار "السوشيال ميديا".
تقنية (Deep fake) تشبه إلى حد بعيد برنامج معالجة الصور"فوتوشوب" التى باتت تقريبا فى متناول الجميع لكن الأولى تعمل على الفيديوهات وليس الصور، كما أنها تطابق تعبيرات لاتبدل الوجه فحسب فإذا تشابه جسم الشخص مع شخصية الضحية، قد يبدو الفيديو الزائف حقيقيًا جدًا، ويصعب كشف التلاعب.
ابتكر الشاب الأمريكى "إيان جودفيلو"- الذى عمل باحثًا فى مجال التعلم الآلى، ويشغل حاليا منصب مدير للتعلم الآلى فى مجموعة المشاريع الخاصة فى شركة أبل - لأول مرةٍ تقنية (Deep fake) فى عام 2014 واستخدمت فى البداية لأغراض الترفيه والدعاية والإنتاج السنيمائى، وراجت بين الشركات السينمائية العملاقة، لكنها أصبحت الآن أكثر استخداما بين الأشخاص على هواتفهم بهدف التسلية وتعددت التطبيقات المستخدمة فيها وصولا إلى تطوير برامج تنشيء مقاطع فيديو بكل سهولة وفى وقتٍ قصير، مثلما يفعل التطبيق الصينى (Zao) وتطبيق "ريفايس" الذى يقوم بتحليل ملامح وجه المستخدم لتركيبها على الشخصية التى يختارها فى مشاهد متحركة بمنتهى الدقة.
السياسيون ورجال الأعمال دائما فى مرمى هدف تلك التقنية جرّاء انتشار صورهم وفيديوهاتهم فى وسائل الإعلام وارتباطهم بالأحداث والأزمات الجارية وبالفعل وقع عدد كبير منهم ضحيةً للخداع العميق مثل فلاديمير بوتين ودونالد ترامب وميشيل أوباما ونانسى بيلوسى، وجاسيندا أرديرن رئيسة وزراء نيوزيلندا ومارك زوكربيرج وفى هذا الشأن نذكر مثلا أن القناة الرابعة البريطانية تساءلت فى نهاية عام 2020 عن مدى صحة ما يراه المشاهد ويسمعه، فى إطار برنامج تليفزيونى يحذر المشاهدين من التكنولوجيا المتقدمة التى تُمكّن من انتشار المعلومات المضللة والأخبار الزائفة وعرضت القناة فيديو بتقنية (Deep fake) تظهر فيه الملكة إليزبيث ملكة بريطانيا وهى ترقص بمناسبة عيد الميلاد ثم قالت القناة أن الفيديو غير حقيقى وعرضت كيف نفذ هذا الفيديو المفبرك لتركيب ملكة بديلة مزيفة لتؤدى الرقصة الشهيرة ضمن فيديو تم تركيبه اصطناعيًا.
وكمثال آخر للتزييف انتشر مقطع فيديو لرئيسة مجلس النواب الأمريكى نانسى بيلوسى وهى مخمورةٌ فى مؤتمر صحفيٍ ومقطع آخر لرئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن يوحى بأنها تتعاطى الكوكايين، إلا أن الحقيقة أن الوجوه فى كل الفيديوهات السابقة تم تركيبها على وجه أشخاص آخرين فى مشاهد أصلية وانتشرت هذه الفيديوهات المزيفة على نطاق واسع عبر فيس بوك وقُدّر عدد مشاهديها بالملايين.
تأكيدا لما وصلت إليه تقنية "Deep Fake"من دقة فقد استخدمها صناع مسلسل الدراما الاجتماعية الفرنسى الشهير، "بلو بيل لا فى"، ( Plus belle la vie), "الحياة أجمل" والذى تجاوز حتى الآن الـ 4600 حلقة، ففى نهاية 2020، تم استبدال وجه الممثلة الفرنسية من أصل مغربى مليكة عَلَوى Malika Alaoui بوجه آخر، لتعويض غيابها بسبب الاشتباه فى إصابتها بفيروس "كوفيد 19"، ولم يتنبه المشاهدون، حتى متابعى المسلسل.
العالم الآن يدق ناقوس خطر؛ لأن هذه التقنية تستخدم الآن فى الجريمة والابتزاز الإلكترونى والعمليات الإرهابية بشكل واضح حتى وإن استُخدمت فى نطاقٍ غير منتشر نسبيا فقد طور المجرمون والإرهابيون من أدواتهم باستخدام تلك التقنية لتنفيذ عملياتهم أو لكسب الأموال، وتشويه سمعة بعض الشخصيات، أو انتحال صفة شخصيات بعينها كما راج تسويق تلك التقنيات فى عالم الجريمة نجد الكثير من المشرعون فى دول عدة لاسيما فى الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية قد تحركوا بالتوازى والتنسيق مع تحرك الوكالات الحكومية ومنصات وسائل التواصل الاجتماعى وشركات الأمن السيبرانى لمواجهة الاستخدام غير المشروع لتلك التقنية، لا سيما مع تزايد احتمالات استخدامها مستقبلا.
تكمن الخطورة الحقيقية فى أن هذه التقنية الاحترافية فى تطور مستمر إلى درجة أنها تخدع الخبراء، ما يضع الأدلة السمعية البصرية فى موضع الشك، لكن رغم كل ما سبق لم تكف الشركات الكبرى عن البحث عن حل، و إعداد تقنيات جديدة لمواجهة التزييف على طريقة قاوم التكنولوجيا بالتكنولوجيا، اعتمادا على أن الذكاء الاصطناعى من الممكن أن يُسجّل بصمةً رقميةً مقاومةً للعبث بمقاطع الفيديو على نحوٍ مُشابه للعلامات المائية فى المستندات المطبوعة, ففى السياق نفسه وضع محرك البحث العالمى جوجل فى 2019، آلاف مقاطع الفيديو المفبركة بتقنية "Deep Fake" فى متناول طواقمه، بهدف إتاحتها للباحثين الراغبين فى ابتكار طرق لكشف هذا التزييف، كما كشف موقع فيس بوك من خلال فريق من العلماء قبل أشهر قليلة عن تقنية تستخدم الذكاء الاصطناعى قد تستطيع التخلص من "التزييف العميق" وتحديد مصدره ثم أعلنت "مايكروسوفت" العام الماضى أنها توصلت إلى برنامج يمكن قد يساعد فى تحديد "التزييف العميق" للصور أو مقاطع الفيديو.
فى الختام لا نبالغ لو قلنا إن هذه التقنية فى التزييف ما لم يتم احتواؤها قدر المستطاع وفى إطار زمنى ضيق ستضع العالم أمام العديد من التحديات على صعيد الدول والمؤسسات وصولا للأفراد، فالكل بات مهددا ومعرضا لخطر الاحتيال والتزوير والبرامج الضارة والعالم مع هذا الاجتياح التكنولوجى بشقيه الإيجابى والسلبى وكثرة القنوات الإعلامية والاجتماعية وتوافر الدعم الرقمى واللوجستى، يدخل تدريجيا فى أتون حرب معلوماتية دارت رحاها، وليس من المنتظر أن تخمد فى المستقبل القريب.