البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
فى علم الاتصال السياسى هناك مصطلح اسمه الارتباط الزائف يقوم فيه صانع الرسالة لأهداف سياسية بالربط بين حالات عامة تختلف ظروفها تماما عن بعضها, لإعطاء انطباعات معينة بهدف التأثير على إدراك مستقبل الرسالة "الجمهور" للأحداث، والرسالة هنا قد تكون ( مقال أو برنامج أو أى مادة إعلامية أخرى...) و فى بعض الحالات يعمد مرسل الرسالة إلى التلميح دون تصريح أو ما يعرف بلغة الشارع "التلقيح" بدافع الإثارة دون ذكر شيء محدد، معتمدًا على مقولة "الحدق يفهم" !! ذلك لأنه يعلم جيدا أن قياساته ضعيفة وأسانيده التى يسوقها وهمية والربط الذى يطرحه فى رسالته لا أصل له, ومن ثم يتعمد الخروج من فخ السؤال المنطقى" حضرتك تقصد مين بكلامك؟"، وهذا نوع من أنواع التوظيف السياسى للإعلام، ينشط فى وقت الأزمات، ويستهدف إضعاف الروح المعنوية عند الجمهور متلقى الرسالة، ويسعى إلى جعله يفقد ثقته بنفسه، ويبث الشك والقلق فى خططه، ويخلخل إمكانيات دعمه، ويخلق مناخا من الإحباط و اليأس بين أفراد المجتمع المستهدف.

فى ظل عالم تعصف به الأزمات الاقتصادية المتلاحقة و التى لم ينج منها صغير أو كبير فى المجتمع الدولى، يكون المناخ مواتيا لأن تبث الرسائل السياسية الخبيثة عبر الإعلام , فعلى سبيل المثال ليست مصادفة أن تتعرض مصر للهجوم فى هذه الظروف أو أن يسعى البعض إلى الدخول من بوابة الأزمة الاقتصادية العالمية التى ضربت بجذورها فى مفاصل الدول الكبرى و الصغرى ملوحا بسيناريو مخيف و كأن مصر هى السبب فى كل أزمات الكون التى حدثت و التى سوف تحدث و هى وحدها التى ستتحمل الفاتورة نيابة عن العالم كله, ضاربا العقل والمنطق, ومتعاميا عن أى إنجاز تحقق فى هذا البلد ولعل أهمه على الإطلاق هو أن هذا البلد كان بالإمكان أن يتلاشى تماما لولا أن تم إنقاذه فى 30 يونيه 2013 .

لا غرابة مثلا أن يخرج علينا كاتب غير موجود فى مصر بمقال من نوعية التلميح الغريب ينظر فيه حول الأوضاع المستقبلية وانهيار الدول و يتعامى عن الحقائق ويستبدلها بمواد أخرى كأنه يغازل فريقا تخصص فى صناعة الفوضى والخراب, هذا فى أبسط توصيف نسميه "مقال بائس" لا يرى الواقع على حقيقته و يغرد ضد المنطق و يتجاهل المعطيات على الأرض ويهدد الاستقرار فى المجتمع المستهدف.

فى وقت غابت فيه معايير تقييم الكاتب الحقيقى والمفكر صاحب الرؤية, استطاع قطاع الإعلام فى السنوات الأخيرة تحويل أى إنسان عادى إلى شخصية شهيرة وإيهام المتلقى بأن ما يراه أو يتوقعه هذا الشخص هو حقيقة, كما يحلو للبعض وصف نفسه بما شاء من ألقاب و الظهور عبر الإعلام بها و كأنه وحده من يمتلك الحقيقة و لديه مفاتيح الحلول, وهو فى الحقيقة ربما يكون تاجرا أو سمسارا راجت بضاعته فى وقت من الأوقات وحين أصابه الكساد وأقصد هنا الكساد التجارى و ليس كساد الأفكار - فقد اتفقنا من الأساس أن مثل هذه النوعية تفكر بعقلية التاجر ولا مكان للفكرة- يفكر فى العودة للمشهد من جديد.

يستغل البعض العلاقة الجدلية التبادلية بين الحقيقة والإعلام، وعلاقة المنفعة بين الإعلام والسياسة, ليثيرون الجدل ويركبون الموجة ويجددون نشاطهم، ربما تصيبهم لقطة أو يتهيأون لأمر يدور فى مخيلتهم فقط، ولا نبالغ لو قلنا إن الإعلام فى جانب كبير منه تحول إلى مشروع سياسى واقتصادى، وأن صناعة الرأى العام الآن باتت على درجة عالية من الخطورة لاستهدافها العقل البشرى، وتحقق مكاسب سياسية واقتصادية وفكرية وتجارية, حتى لو صنعت رأيا زائفا، وتطورت هذه الصناعة بتطور وسائل الإعلام.

لم تسلم مصر من الأقلام البائسة والحملات الشرسة عبر الإعلام والتى بشرت بكل سيناريوهات الخراب بعد 2013, كلهم كانوا يتوقعون الفشل والسقوط والإفلاس والهروب و الهجرة الجماعية, لكن الواقع جاء بعكس كل توقعاتهم أو بالأحرى أمانيهم, فمصر التى أراد لها الله أن تبقى و تنجو من مخطط الفوضى أنتصرت أيما انتصار, وأصبحت الآن دولة كبيرة بمؤسسات عفية , كلها خير و الخير فيها إلى يوم الدين, فالمشاريع القومية الكبرى غيرت معالم البلد , فمصر اليوم بكل تأكيد غير مصر 2013, و كل الذين وظفوا الظروف فى 2013 فى سياقات غير حقيقية, وتحدثوا أيضا عن الفشل و الدمار و نهاية العالم؛ يتعجبون الآن كيف نجت مصر من كل هذه الويلات, وكيف وقفت من جديد و تبنى و تصنع تنمية, لكنهم أيضا لم يتوقفوا عن التحريض و الكذب معتمدين على أن الآلة الإعلامية الحديثة لديها القدرة على قلب الحقائق للتلاعب بالعقول, حتى تلك التى كنا نظن أنها عقول كبيرة ونخبوية لم تنج من فخ التأثير العميق الذى يحدثه الإعلام الموجه على خيارات وأفكار ومواقف وقناعات الناس.

إن هذا الذى يجلس فى مقعد المفكر والمنظر ويقدم نفسه على أنه محب محايد, وبين الحين والآخر يطل علينا بمقال من الخارج ينشر اليأس و الإحباط، ويحدثنا عن الفقر و التشرد ونهاية التاريخ، وانهيار الدولة الوطنية، ويتوقع أن سيناريوهاته الخيالية التى يرسمها سوف تلقى صدى ورواجا لدى الناس فى مصر أو أى مكان آخر، فهو بلا شك واهم, أولا لأن الناس باتت تعرف من يحب البلد و من يحب مصلحته, وثانيا أن مثل هذه السيناريوهات البائسة الركيكة التى يطرحها ملمحا و مسقطا فيها على الدولة الوطنية لا تروج إلا فى أبواق الفتنة والتحريض التى تعيد تدويرها وتطنطن لها وبها على نغمة واحدة محفوظة, و قد سبق ونسج بعض الكتاب العرب والأجانب نفس السيناريوهات منذ 8 سنوات, وتوقعوا حالة من عدم الاستقرار فى مصر، تعيد البلاد إلى الفوضى التى سبقت أحداث 2011، واستخدموا نفس المصطلحات المصنوعة بدقة لنشر اليأس والإحباط ، بهدف تغيير قناعات ومواقف الناس وصنع صورة ذهنية مغلوطة، أوالتأثير على الوعى الجمعى ، لكن فى كل مرة تأتى رياح الخير بما لا تشتهى سفن الخراب.

مثل تلك المقالات التى تغوص فى العموميات، دون تحديد دقيق أو توصيف للقضية أو المشكلة و دون طرح للحلول تكشف مباشرة عن نية كاتبها و الذى إما أراد أن يزيح عن نفسه تراب "الركنة" والظهور فى المشهد و خلق حالة من الجدل, أو أنه يخدم فكرة ما و توجه بعينه لم يفصح عنه, ولو أن قصده خيرا لكان طرح رؤيته لتجاوز الأزمات التى عددها, هذا بالطبع لو كانت لديه الرؤية.

نعم الظروف صعبة للغاية وبلادنا تواجه كغيرها أزمة لها أسبابها ويمكن أن نناقشها بكل وضوح وصراحة، لكننا لم و لن نصل لما يروج له صيادو الأزمات بحدوث انهيار كبير، وفوضى عارمة, مصر تسعى و تتدبر أمرها من كل جانب و تفكر مع الشركاء فى الداخل و الخارج لتجاوز الأزمة, مثلما يفكر الشركاء أيضا فى تجاوز أزماتهم, ومن ثم فليس من الإنصاف التلويح بالفشل واليأس فى ظل ما تبذله الدولة من جهود للوصول إلى الحلول.

مصر التى استطاعت أن تتماسك فى ظل أكبر مخطط لتدميرها فى 2012 واستعادت قوتها وعافيتها ومضت على طريق الإنجازات منذ 8 سنوات قادرة على الخروج من أى أزمة, فـ" كم دقت على الرأس طبول" و ما مضى و تجاوزناه كان أصعب بكثير وحالنا طيب و مبشر بإذن الله و لا مكان للمتشائمين و المحبِطين و المحبَطين والمروِجين للفشل بقصد أو بدون قصد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز