د.حسام فاروق
والله كلامه كاد يبكينى ويشعرنى بالفخر فلا زال المصرى له حضوره فى أى مكان وزمان وهذه شخصيته الحقيقية التى قال عنها العبقرى الراحل الدكتور جمال حمدان فى كتابه العظيم "شخصية مصر"، إن عنوانها البساطة التى شكلها المكان برحابته وطقسه وطقوسه.
الشاهد دائما أن الأخلاق تبقى وترسخ فى أذهان الشعوب عند تكوين انطباعاتها عن الآخر، ولا شك أيضا أن الدول تنمو وتزدهر فى مناخ أخلاقى، ولا توجد دولة أصبح لها مكان بين الأمم المتحضرة، ولا مؤسسة أخذت مكانها فى السوق العالمى إلا من خلال التزامها بنسق قيمى أخلاقى، فالأخلاق موجودة المعاملات، والأخيرة موجودة فى كل مجالات الحياة، فى السياسة والتعليم والصحة والغذاء والرياضة، وكل شى....
لا ننكر أن الحياة برمتها على كوكب الأرض- وليس فى بلادنا وحدها - تغيرت عن ذى قبل، وكل يوم يمر تداهمنا التكنولوجيا التى حلت محل الإنسان فى كثير من المعاملات، عدد لا بأس به من الاحتياجات اليومية للإنسان والتى كانت تتطلب التعامل مع البشر، قد تم "ميكنتها"، ناهيك عن الثقافات التى تداخلت بعد إزالة الحدود الثقافية والمعرفية بين الدول تدريجيا بفعل تطور وسائل الاتصال، حتى التعليم بات فى جزء كبير منه "مميكن" أو كما يقولون "أون لاين" ومع الزمن تتسع المسافات بين الأشخاص وهذا بالطبع أثر على التواصل الحقيقى فى جانب المشاعر والسلوك وكل ما يمكن أن يحدثه التقاء إنسان بإنسان، عين فى عين وقلب يكاد خفقانه يسمع الطرف الآخر، قبل اجتياح الآلة حياة الناس ودخولها العوالم الافتراضية الجامدة.
على كل حال لا أحد ضد التطور التقنى وهذه سمة الحياة، التغيير، ولا أحد لديه الشجاعة لمواجهة الجانب الخطر فى طوفان التكنولوجيا، فقط نملك حق الاختيار والانتقاء، ولكن السؤال الذى يطرح نفسه الآن: هل ما زلنا نحتفظ بتلك الروح التى حدثنى عنها صديقى الإماراتى؟، هل ما تزال مفرداتنا "حضرتك" و"سيادتك" و"لو سمحت" و"شكرا" و"كتر خيرك"، موجودة؟، الإجابة فى رأيى وعن قناعة ومعايشة نعم، فالمصرى معدنه أصيل والمعدن الأصيل حتى وإنا طالته بعض الشوائب لا يصدأ، المصرى مرت عليه عبر تاريخه فترات كثيرة صعبة واجتاز محن واختبارات كثيرة ولم يتغير، فى أسوأ الأحوال كانت تطفو على السطح ظواهر غريبة على المجتمع، ليس فيها شيء من سمات المصرى الحقيقى، ظواهر حملت لغة غريبة أوجدتها سرعة الإيقاع و"ميكنة" المشاعر، لكن هذا لا يمنع من أن المعدن الأصيل موجود، وحاضر ويظهر عند الحاجة، وتلك الظواهر الغريبة أثبتت التجارب أنها لا تعيش كثيرا، فالطبع يغلب التطبع، ومن ثم فواجب علينا جميعا أن نتمسك أكثر بسماتنا وأخلاقنا الحميدة.
كم نحن فى حاجة اليوم للحفاظ على شخصيتنا المصرية البسيطة التى ذكرها جمال حمدان فى موسوعته والتى أطلق عليها إسم يلخص الغاية وهو "شخصية مصر"، وما أحوجنا إلى التمسك بأخلاقنا الكريمة التى يتحاكى بها أشقاؤنا العرب، وأرى أن الربط واجب بين هذه الحاجة وبين الحوار الوطنى الذى نحن بصدده هذه الأيام والذى دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السيسى فى 26 أبريل الماضى، كون هذا الحوار ينطلق من مجموعة من القيم المصرية الراسخة، وبأى حال من الأحوال لا نستطيع أن نفصل بين الأخلاق والقيم؛ فالكلمتان مربوطتين ببعضهما وحتى إذا تم دمجهما فى جملة واحدة كانت "القيم الأخلاقية" وهنا نعود على بدء، فالدولة الوطنية التى تسعى لاستكمال مسيرة الإصلاح، وإطلاق روح جديدة لتحديد أولويات العمل الوطنى المشترك، لابد لها أن تحافظ على "القيم الأخلاقية النبيلة فهى عماد بناء الشخصية" المصرية.
الحوار الوطنى له ثلاثة محاور أساسية هى السياسى والاقتصادى والاجتماعى، والأخير فى رأيى هو المناط به الحديث حول بناء الإنسان واستعادة الهوية ومد جسور التواصل بين الجماعة والنخب والمواطن وربطهم جميعا بالدولة الوطنية ومفهومها وقيمها وأخلاقها، ومن ثم الضرورة تقتضى أن يحظى موضوع الأخلاق بمساحة على جدول الحوار الوطنى، فقضية الأخلاق تخص كل مجتمع وكل القطاعات، وترتبط بالتنشئة وصناعة الوعى خاصة فى مجال الإعلام، فالإعلام الرشيد منوط به إظهار الوجه الحضارى والجاد للإنسان المصرى الأصيل ونبذ كل الصور الغريبة عن مجتمعنا.
غاية الحوار الوطنى فى رأيى هى زيادة المساحات المشتركة بين الناس كخطوة فاعلة نحو تأسيس الجمهورية الجديدة، لنكون "كلنا واحد"، وهذه المساحات تستمد مفهومها من القبول والمعاملة الطيبة، والتمسك بكل ما هو نبيل وأصيل وهذا يجعلنى أوكد على أهمية الحديث حول أخلاقنا وطباعنا ونبذ ما استجد عليها ولا يشبهنا، وكيف نحافظ على موروثنا العظيم من القيم ونقاوم أى تغيير قد يطرأ على شخصيتنا المصرية المحببة للآخر.
قناعتى كبيرة بأن الحوار الوطنى فاعل فى هذا الملف، فالحوار فى المقام الأول هو "مجتمعى" ونحن نتحدث عن تفصيلة مهمة من تفاصيل مجتمعنا المصرى، والحوار الوطنى فى الأخير، ليس عنوانا رنانا فى وسائل الإعلام ولا عملية إجرائية، أو طقس شكلى، إنما هو حوار تفاعلى جاد، تحت رعاية السيد رئيس الجمهورية شخصيا، وكلنا أمل أن ينتهى هذا الحوار إلى توصيات ومقترحات عملية قابلة للتطبيق الفعلى، وفقا للظروف المناسبة وكم أتمنى أن تكون طبائعنا السمحة وأخلاقنا الحميدة وكيفية التمسك بهما وفق مسؤولية تناط بوسائل الإعلام ومؤسسات التنشئة ضمن هذه التوصيات.