د.حسام فاروق
وتتم الاستعانة بهم كوسيط إعلامى فيما يعرف بالإعلام الجديد أو الاجتماعى لإلقاء الضوء على موضوعات كثيرة قد تشمل قضايا إنسانية أوسياسية أو تاريخية أو حتى عناوين إعلانية وتسويقية فى الموضة وغيرها.
أسئلة كثيرة ترتبط بهذا الموضوع منها: من هو المؤثر؟ وما المحتوى الذى يعرضه؟ وما هى مميزاته؟ وما علاقة المؤثرين بالدعاية على اختلاف أنواعها؟
كلمة مؤثر فى اللغة صفة تشير إلى من يملك القدرة على التأثير فى الآخرين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ويظهر هذا التأثير فى معتقداتهم عن الأشياء والمواقف والأشخاص وفى وجهات نظرهم وسلوكياتهم واختياراتهم.
والمؤثرون الحقيقيون موجودون منذ قديم الأزل، فهم شخصيات بارزة فى مجتمعاتهم، والإنسان صغيرا وكبيرا يتأثر بهم منذ طفولته فى مجتمعه الضيق أو حين يكبر ويختلط بالناس فى مجتمعه الواسع، فنموذج الأب أو كبير العائلة والقادة والزعماء وغيرهم، جميعهم كانوا مؤثرين بفعل دور الكبير فى متابعة شؤون ذويه، ومع تقدم المجتمعات وتطور تقنيات التواصل بين الناس وانفتاح العوالم على بعضها عبر الأقمار الاصطناعية وزيادة سطوة وسائل الإعلام تدريجيا وصولا إلى عوالم السوشيال ميديا كأحد أبرز وسائل الاتصال الحديثة.
ومع تطور الطريقة التى يحصل بها الناس على معلوماتهم ومنتجاتهم عبر الإنترنت، تطور مصطلح المؤثرون، وتحولت الكلمة من صفة إلى مهنة وأصبحت تطلق على من يملكون عددا من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعى بصرف النظر عن السبب الذى يتابعهم الناس من أجله، وارتبط المؤثرون فى السوشيال ميديا بخاصية التفاعل، فما قيمة هذه الأعداد من المتابعين إن لم يكن هناك تفاعل مباشر بين المؤثر والجمهور؟!
مع اعترافنا بالظاهرة والتأثير الذى تحدثه، لكنها بدون شك شكلت خطرا على بعض المجالات وأبرزها الإعلام، فهناك العديد ممن يطلق عليهم مؤثرين لا يقدمون محتوى هادفا أو يتحدثون فى أى شىء من دون علم ومعظمهم لا يتمتع بخبرة عملية أو أكاديمية فيما يتحدث فيه، ولكنهم ينجحون فى جذب ملايين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعى، ما يحدث خللا فى ترتيب الأولويات لدى المتلقى وخللا فى المعايير التى تعنى الاهتمامات، صحيح أن بعض المؤثرين يلعبون دورا إيجابيا لكن معظمهم يشكل مثالا سيئا يستدعى الحذر، خصوصا بعد أن فتحت لهم بعض وسائل الإعلام منبرا لنشر أفكارهم.
الظاهرة خطيرة بلا شك ولا يمكن التهاون فيها، خاصة أن عالم التواصل الاجتماعى شاسع وتصعب السيطرة عليه، وساهم فى سرعة انتشار وإبراز المؤثرين، والتفاعل مع ما ينشرونه ويعرضونه من صور أو معلومات أو فيديوهات من خلال حساباتهم على هذه المنصات، بغض النظر عن جودة المحتوى أو سلامته على كل الأصعدة خصوصا النفسية والسياسية، والاجتماعية وفى مجتمعاتنا العربية استطاع المؤثرون جذب الملايين من المتابعين باستعمالهم قالبا قريبا من الناس ومألوفا لكنه لا يخلو من الخداع وسوء النية لاسيما عند طرح قضايا سياسية من طرف واحد يمثل وجهة نظرهم التى ليست بالضرورة وجهة نظرهم!
طالما هناك أموال ومكاسب، وينتصر فى الأخير من يدفع أكثر ليجيش لوجهة نظره عبر المؤثر الفلانى أوالعلانى ومن الطبيعى أن يقبل الأخير العروض المغرية فى مجتمع لديه القابلية لذلك خاصة عندما يلاحظ أن شخصا آخر ربح المال بسهولة، والمهن التقليدية لم تعد جذابة كالسابق، والعروض مجانية للجمهور.
مواقع التواصل الاجتماعى من جانبها سعيدة بهذا الحراك وهذه الخناقات وهذا التضليل, وتدعمه ماديا ليس تبرعا منها ولكن هؤلاء المؤثرون يشكلون نحو 75% من المحتوى العام على منصاتهم وبدونهم ستقتصر المواقع على بعض المحادثات بين الناس ومشاركة الصور، إن عدم وجود المحتوى يعد كارثة لهذه المواقع التى ستخسر روادها شيئا فشيئا، وبالتالى لن تستخدمها العلامات التجارية كمنصات للترويج لمنتجاتها، مما يعنى خسارة الأموال القادمة عن طريق الإعلانات أيضا.
الأثر الذى تركه وجد من يسمون أنفسهم بالمؤثرين على الإعلام التقليدى لا يستهان به، ولا يمكن أن نتوقع إلى أين ستتجه الظاهرة وما التغييرات التى ستطرأ عليها، لكن مما لا شك فيه أنها أصبحت تشكل مصدر قلق حقيقى نتيجة العشوائية السائدة فيها مع ما لها من انعكاسات سلبية على المجتمع، فكل يوم نشاهد مقاطع فيديو على اختلاف التوجهات بداية من السيدة التى تعرض مشاهد لها وهى تنظف منزلها وترتب سريرها وصولا لصناع الفوضى ومنظرى العنف والدم والعناصر الإرهابية ذات الهوى السياسى، شريط فى أغلبه إما تافه وساذج وقبيح من أجل تحقيق الشهرة وجلب المال أومسيس ومغرض من أجل هدف سياسى وراؤه مال سياسى.
فى تصورى أن كل مؤسسات التنشئة (التعليمية والإعلامية والدينية) مناط بها مواجهة هذه الظاهرة بأساليب مبتكرة حتى لو كان من بينها خوض عراك فى نفس الساحة وهى وسائل التواصل الاجتماعى لحماية أبنائنا والمجتمع من خطر يزيد تدريجيا ويهدد بنسف المجتمعات وتشويه الهوية.