د.حسام فاروق
معظم تقارير البرلمان الأوروبى غير دقيقة بشكل كافٍ للاعتداد بها فى صياغة قوانين أو جعلها قرارات ملزمة، حيث تفتقر للتدقيق والتوثيق، وتستند إلى مصادر يصعب التأكد من مصداقيتها، مثل المنظمات الأهلية ووسائل الإعلام المسيسة، ناهيك عن أن الاتحاد الأوروبى بشكل عام لم يصل فى أى مرحلة من المراحل إلى صياغة سياسة خارجية متفق عليها بين أعضائه تجاه العديد من القضايا ذات الصفة العالمية لاسيما تلك التى تتطلب مقترحات تشريعية، فهناك شبكة علاقات ومصالح بين الاتحاد الأوروبى والدول غير الأوروبية، تجعل من ملف حقوق الإنسان على سبيل المثال مجرد ورقة ضغط لتحقيق توافقات فى ملفات أخرى، ومن ثم فلا غرابة فى أن تجد كيل بمكياليين وغياب للمباديء النظرية التى يتشدق بها الأوروبيون عند الحكم فى نفس القضية من مكان لآخر فى العالم، ويعكس هذا القياس إشكالية عميقة تتعلق بمدى إدراك البرلمان الأوروبى لحقيقة الأوضاع فى الدول غير الأوروبية، وخاصة فى الشرق الأوسط، ففى مسألة الديمقراطية على سبيل المثال يميل الأوروبيون ممن ينتمون للأحزاب الليبرالية واليسارية إلى اختزال الصراعات السياسية فى الشرق الأوسط فى أن مصدر كل الأزمات هو غياب الديمقراطية وبالطبع هذا القياس وفقاً لمفهومهم الشخصى للديمقراطية وهذه نظرة اختزالية تتعامى عن حقيقة أن الديمقراطية ليست معطفا "بمقاس وحيد" يرتديها أى شعب فى أى مكان وأى ظروف!، فالدول تختلف عن بعضها والظروف السياسية والاجتماعية و الاقتصادية هى التى تحدد "مقاس الديمقراطية" ومدى فعاليتها و ليس ذلك فحسب ولكن أيضا تشكل ثقافة المجتمعات عاملا حاسما فى مثل تلك القياسات.
لا أفهم كيف يتصور الأوروبيون على سبيل المثال أن دعاة الفوضى والتخريب والقتل ممن تلاحقهم جرائمهم الموثقة بالصوت والصورة من الممكن أين يمثلوا "معارضة ليبرالية"؟! وكيف يرون أن التيارات التى تتبنى العنف والإرهاب فئة من فئات المعارضة ويجب منحهم المزيد من الفرص لتحقيق المزيد من التخريب والعنف و القتل مثلما هو الحال بالنسبة لجماعة الإخوان الإرهابية التى تسعى إلى إسقاط الدول تحت دعوى أن كل سلطة هى "سلطة فاسدة" بالضرورة؟!.
حقوق الإنسان ليست مجرد شعارات أو إجراءات فوقية يمكن تطبيقها من أعلى، بل هى قضية مرتبطة بالثقافات ودرجة تطور المجتمعات، والمشكلة الأكبر فى رأيى تتعلق بالأثر المدمر لتسييس مبادئ حقوق الإنسان والدفاع عن أفراد يتم وصفهم زيفا "معارضة" بينما هم فى الواقع يحملون أجندات معادية للديمقراطية وحقوق الإنسان، ويدعون إلى الفوضى ويحاربون الاستقرار!
البرلمان الأوروبى لم يكف عن استخدام حقوق الإنسان فى الصراعات السياسية، سواء داخل الدولة الواحدة أو بين الدول وبعضها البعض، وهذا بلا شك لن يصب فى مصلحة أوروبا بمرور الوقت، هذا لوكان البرلمان الأورى يصدر مثل تلك التقارير المهترئة تحت بند المصلحة الأوروبية، ففى وقت من الأوقات حتما ستصل شعوب الشرق الأوسط إلى استنتاج بأن أوروبا لم تكن صادقة فى دفاعها عن حقوق الإنسان.
هذه ليست المرة الأولى التى يتبنى فيها البرلمان الأوروبى قراراً ضد مصر، تحت نفس العنوان "حقوق الإنسان"، فالبرلمان الأوروبى درج منذ فترة على استخدام ملف حقوق الإنسان أداة للضغط السياسى والإعلامى دولياً لتحقيق توافقات مستهدفة غير علنية فى ملفات ترتبط بالمصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، وهذا ليس تجاه مصر فحسب ولكن أيضاً استخدمت نفس الطريقة مع الصين وروسيا والعديد من دول الشرق الأوسط، فأحزاب اليسار والوسط داخل البرلمان الأوروبى اعتادت الوقوف خلف القرارات التى تصدر تجاه مصر عن الأوضاع الداخلية بها، وتبنى مواقف وسياسات تستند على مفاهيم هشة ومغلوطة، وتدعى امتلاكها السلطة لتقييم ومحاسبة الآخرين خارج حدود أوروبا، بالمخالفة للقواعد والأعراف الدولية، وهذا يؤكد أن هناك جهل متعمد من جانب بعض أحزاب البرلمان الأوروبى بحقيقة الأوضاع الداخلية فى مصر وتداخلها مع صراعات إقليمية تُستغل فيها قضية حقوق الإنسان لأهداف سياسية محضة، وكذلك التوقيت الذى تختاره تيارات داخل البرلمان الأوروبى لإصدار التقارير.
تضمن القرار الأخير حزمة من المغالطات والادعاءات الباطلة التى لا تمت للواقع بصلة، منها على سبيل المثال ذكره إن حالة الطوارئ مطبقة فى مصر منذ عام 2017 وحتى الآن، رغم أنه تم إيقاف العمل بها من أكتوبر 2021! وكذلك ذكر قرار البرلمان الأوروبى أن مصر تنفذ أحكام الإعدام بحق أطفال و هذا غير صحيح بالمرة فبموجب قانون الطفل يحظر حظراً مطلقاً توقيع عقوبات الإعدام والسجن المؤبد والسجن المشدد على الأطفال.
قرار البرلمان الأوروبى تضمن أيضاً حث السلطات المصرية على الإفراج الفورى عن بعض الأشخاص، زاعما أنه تم اعتقالهم ظلماً، وقبل التعليق على ما ذكره بشأن هؤلاء الأشخاص واستخدام مفردة "اعتقال" لابد أولا أن نتوقف عند الطلب بما أسموه "الإفراج الفوري"!! ونقول بأى صفة يستخدم البرلمان الأوروبى هذه الصيغة؟ و هل فقد البرلمانيون الأوروبيون بوصلتهم للدرجة التى تجعلهم لا يدركون كيف يتحدثون مع دولة بحجم وثقل و قوة مصر؟!.. دولة لها مؤسساتها الراسخة وسيادتها الكاملة وسلطتها القوية التى لا تقبل الإملاءات والمساس بسيادتها!.. أما فيما يخص الأشخاص المذكورين فهم أما ينفذون أحكام قضائية صدرت من المحاكم المصرية فى محاكمات منصفة، أومحبوسين احتياطياً على ذمة تحقيقات تجريها جهات التحقيق، وذلك كله وفق قوانين إجرائية جنائية متعارف عليها دولياً.
قرار البرلمان الأوروبى الخاص بمصر هو مساس سافر باستقلال النيابة العامة والقضاء المصري، بالمخالفة لمواثيق الأمم المتحدة ويمثل نظرة متحيزة غير موضوعية إزاء حقيقة الأوضاع فى بلادنا ودليل دامغ على استمرارية النهج الاستعلانى والوصائى تجاه مصر، استناداً إلى وقائع كاذبة، فى التعامل مع قضايا رئيسية مثل حقوق الإنسان، وليس خافيا أن هناك محاولات مستمرة لتسييس حقوق الإنسان واستخدامها أداة للتدخل فى شؤون الدول الأخرى، وتقديم غطاء حماية لفئات بعينها، تحت مسميات مختلفة، ممن تمت إدانتهم قضائيا بأحكام جنائية، فى إطار التركيز على تلك الفئة، باعتبارها الأكثر استقواءً بالخارج، والمصادرة على حق كل دولة فى اتخاذ ما يروق لها من سياسات تتناسب مع أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، بل و حماية أمنها، وفقاً لهذه الأوضاع.
لا أفهم لماذا يتجاهل البرلمان الأوروبى صراحة العديد من الإنجازات التى تحققت على أرض مصر وكلها متعلقة بحقوق الإنسان؟ ، بدء من مبادرة "حياة كريمة"، والتحرك نحو تفعيل دور كافة الفئات المجتمعية، كالشباب والمرأة وذوى الهمم، مرورا بالمشروعات القومية الكبرى التى وفرت ملايين فرص العمل وصولا لتدشين تدشين حوار وطنى شامل.
أخيراً.. مصر تعتبر الارتقاء بمنظومة حقوق الإنسان هدفاً وطنياً، واتخذت العديد من الإجراءات لتحقيقه، أبرزها تدشين الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ومصر ماضية قدما فى سن أو تعديل التشريعات اللازمة لتحقيق هذا الهدف، وكل هذا يحدث دون وصاية من البرلمان الأوروبى أو أى جهة كانت فى الكون، أما قرار البرلمان الأوروبى فيذكرنى بلغة الإعلام "الاسكريبت" التليفزيونى لبرنامج ركيك يتحول بعد التصوير، لورقة تثبت فقط أن هناك أجر لمن كتبه.