د.حسام فاروق
فالنّظام الدّولى الذى أنتج الحرب الباردة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية هو نفسه الذى يشهد الآن نسخة مطورة من الحرب الباردة، نعم نظريا انتهى ما سمى قديما بـ"الاصطفاف الإيديولوجيّ" الذى قسم العالم إلى معسكرين لكل منهما عقيدته التى كانت محركا رئيسيا فى الحرب الباردة، لكن يبدو أن الواقع السياسى شيء والتنظير شيء آخر، فكون العالم يدخل بشكل غير مباشر فى حرب باردة جديدة يتشارك فيها نفس اللاعبين القدامى مع تبديلات أو إضافات قليلة فهذا معناه أن الأسباب التى قامت عليها الحرب الباردة الأولى لم تكن إيديولوجيّة، بل كانت سياسيّة نفعية فى المقام الأوّل.
قد يتهمنا البعض بالمبالغة عند استخدامنا لمصطلح "حرب باردة جديدة" وعلى هؤلاء أطرح بعض الأسئلة على سبيل المثال لا الحصر: كيف نوصف الصراع الاقتصادى العالمى الدائر الآن بين الولايات المتّحدة الأمريكيّة والصّين؟ وبماذا نوصف تداعيات الحرب الدائرة حاليا بين روسيا وأوكرانيا والتى انتجت حربا أخرى غير تلك الدائرة فى مواقع النزال ألقت بتداعياتها السلبية، والمخيفة على اقتصادات العالم كلِّه؟ وبماذا نوصف السباق التكنولوجى بين الولايات المتحدة والصين؟ و كذلك حروب الطاقة فى شتى أرجاء العالم؟ وهل من عنوان يصف العلاقة "المتأرجحة" بين الولايات المتّحدة ودول أوروبا، من جهة، وروسيا الاتّحاديّة من جهة أخرى؟ وانزلاق أطراف العلاقة إلى سياسات العقوبات الغربيّة والتّصعيد العسكريّ فى الجوار الإقليميّ لروسيا؟ وكيف نفسر تغير خريطة تحالفات القوى الكبرى فى العالم بين الشرق والغرب هل لكل ما سبق توصيف آخر غير أنه "حرب باردة جديدة" ؟!
بدا واضحا أن المرحلة الحالية من مراحل تطور النظام الدولى غير مستقرة والشاهد على ذلك تنامى مسلسل الصراعات المحلية والإقليمية المنتشرة من نزاعات عرقية وطائفية إلى صراعات على مناطق النفوذ إلى حروب اقتصادية وصولا إلى أزمات المناخ والأمن والغذاء والطاقة، والحديث المتزايد عن استخدام السلاح النووى والذى لا نستبعد فى لحظة ما أن يتطور إلى حرب فعلية كل هذا من شأنه تهديد وجود الدول وانفراط عقد التنظيم الدولى والعودة بالمجتمع الدولى إلى شريعة الغاب.
المشكلة الحقيقة فى النّظام الدّولى، منذ مطلع القرن الحادى والعشرين، ليست فقط فى مؤسّساته وهياكله التى بقيت على حالها من دون تغييرٍ يناسب زوال الاستقطاب الإيديولوجيّ العالميّ وانتهاء الحرب الباردة، ولكن أيضا فى عدم تناسُب هياكل ومؤسّسات هذا النظام مع المتغيرات الجديدة التى نشأت فى الربع قرن الأخير والتى أعلنت نشوء قوى جديدة فى الاقتصاد والعلم والتّكنولوجيا والقدرة الاستراتيجيّة كفيلة باهتزاز ميزان القوى التقليدى الذى ترسخ بعد انتهاء الحرب الباردة.
فى ضوء ما انتهت إليه أوضاع النظام الدولى الآن فهو فى أمس الحاجة إلى المراجعة الشاملة التى لا تقبل التأجيل، فقد عجز عن احتواء الأزمات والاضطرابات الهائلة التى تنشأ من وقت لآخر فى أماكن متفرقة من العالم ولا حل فى الأفق سوى وجود قواعدَ جديدة لتنظيم العلاقات بين الدّول تقوم على الحوار والتفاهمات والتوافقات لا الصّراع والتّخاصُم والتّنابُذ، باتت الحاجة ماسة إلى إعادة بناء نظام الأمم المتّحدة على النّحو الذى يضمن فعلاً الأمن والاستقرار والتّعاون والشّراكة بين الدول.
الحديث عن إصلاح النظام الدولى ومؤسساته خاصة الأمم المتحدة ليس جديدا بل تكرر فى مناسبات عدة منذ عقود، لكنّ إرادةَ الإصلاح فى كل مرة لم تكن موجودة حتّى لدى أولئك الذين نادَوا به، فعلى سبيل التذكير طالبت حركة عدم الانحياز منذ الستينيات بإصلاح الأمم المتحدة، وإعادة النظر فى ميثاقها والبحث فى السبل المؤدية إلى تعزيز دورها وجعلها أكثر فاعلية والتوجيه بضرورة إقامة نظام دولى جديد يستند إلى إصلاح الأمم المتحدة وفى كل مرة كانت تقابل مثل هذه المطالبات بغياب الإرادة الحقيقية للتغيير من قبل الدول الكبرى المسيطرة على المنظمة الدولية فمنذ إنشاء الأمم المتحدة فى العام 1945 وعلى مدار عقود لم تتحمس دولة كبرى لإجراءات تعديلاتٍ على نظامها الأساسى خوفا من أن يكون نتيجته مساسٌ بمكانتها أو دورها، أو يُسفر عن بروز قوى أخرى جديدة تزاحمها النّفوذ.
النّظام الدّوليّ السّائد لم يعد يملك الحلول التوافقية لحفظ الأمن والسلم الدوليين، والسبب المعلوم منذ زمن يكمن فى نظامِه القانونيّ وهياكله وسلطات مؤسّساته وحتى نكون محددين الأزمة فى صناعة القرار داخل مجلس الأمن حيث بدا واضحاً أن المنظمة العالمية تحولت إلى أداة فى يد الدول الكبرى، (الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن)، فكان أن فقدت الأمم المتحدة استقلالها وحيادها وأصبح دورها محدودا بالقدر الذى تسمح به تلك القوى، بما لا يتعارض مع مصالحها.
ليس من المنطق فى تلك المرحلة الراهنة من تطور النظام الدولى، تأييد الطرح الذى يذهب إليه البعض بضرورة وجود منظمة عالمية جديدة بديلة للأمم المتحدة!، وإنما الحكمة تقول أن إجراء إصلاحات هيكلية فى المنظمة العالمية قد يكون من شأنه بث الفاعلية فيها من جديد وتعزيز قدرتها على تحقيق الأهداف المرجوة من وراء إنشائها فى حفظ السلام والأمن الدوليين.
أول هذه الإصلاحات فى رأيى إعادة تحديد وظائف مجلس الأمن وإلغاء صيغة العضويّة الدائمة فيه، وإلغاء حقّ النّقض (ڤيتو) حتى لو تم ذلك بشكل مرحلى، نعم سنجد من يستصعب إمكانية تحقيق هذا الهدف بالنّظر إلى أنّه سيَلْقَى كالعادة مقاومة من الدّول الخمس الكبرى التى تتمتّع بحق الفيتو، لكن حتى لو قدرنا مخاوف هؤلاء المستصعِبين للهدف لابد من التذكير بأنّ أيّ استمرارٍ لصيغة مجلس الأمن القائمة على قاعدتيْ العضويّة الدّائمة وحقّ النّقض، هو فى حكم التّعطيل الماديّ الحاسم لأيّ إصلاحٍ يسمح للجمعية العامّة بسلطات تقريريّة حقيقيّة، وسيظل حقُّ النّقض، كما هو على حاله الآن آلية لإبطال مفعول القرارات الدولية واحتكارها من قِبل مجلس الأمن وكل محاولة لاحتواء أزمة أو خلق استقرار فى منطقة ما من العالم حتما ستصطدم فى مرحلة ما بمصالح القوى المحتكِرة لسلطة مجلس الأمن.
ما أقصده بـ"الإصلاح المرحلى" لمجلس الأمن أعنى به تصحيح أوضاع تمثيل الدّول الأعضاء داخل المجلس وطرح فكرة الإلغاء التدريجى للعضوية الدائمة ولحق الفيتو على أن يحدث ذلك على مراحل، بمعنى أولا نبدأ بتوسيع نطاق العضويّة الدائمة بحيث تشمل دولاً محورية كبرى فى العالم مثل ألمانيا واليابان والهند والبرازيل ومصر وإندونيسيا وجنوب أفريقيا، فهذه دول لا يشكك أحد فى وزنها داخل النّظام الدّوليّ.
أما عن الاقتراح المرحلى لإلغاء حق الفيتو فأتصور أن يبدأ مثلا بأن نلغى "فردية النقض"، بمعنى أنه لا يجوز أن تتمتع دولة واحدة بتقويض قرار دولى، ومن ثم يتوجب علينا توسيع حق النقض ويكون شرط تمريره وجود من ثلاثة إلى خمسة أعضاء من الأعضاء الدائمين بعد زيادة عددهم، أعتقد أنّ تصحيححا كهذا من شأنه أن يحدث التّوازن فى عمل مجلس الأمن و يضبط دوره فى حل الأزمات وإنهاء الصراعات ومن ثم يضبط النظام الدولى.
لكن حتى يتسنى إصلاح النظام الدولى لا بد من توافر الإرادة السياسية والأغلبية الدولية التى تستطيع مواجهة حزب إبقاء العالم على ما هو عليه فهذا الحزب الذى يوصف الكبير كبير بالوراثة ويتعامى عن التغيير الذى يحدث فى العالم لا يهمه سوى مصلحته حتى وإن خرب العالم بمن فيه.