د.حسام فاروق
كل مناطق العالم تقريبا أصبحت ساخنة، الأحداث تكاد تكون مشتعلة فى معظم الأماكن، وكل أنواع الحروب النظامية والدعائية جرى ويجرى تجريبها فى عالمنا الآن، وبلا هوادة، فقد عادت من جديد صراعات القوة التى شكلت عالم ما قبل وما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، الولايات المتحدة القطب الأوحد فى العالم بعد تفكك الاتحاد السوفيتى السابق فى 1991 ليس لديها استعداد للتنازل عما وصلت إليه بعد انتهاء الحرب الباردة وترفض محاولات زعزعة مكانتها عالميا ولا تروق لها لعبة الكراسى الموسيقية التى يروج لها بعض الأطراف القديمة الجديدة فى العالم.
ولذلك تعيد الولايات المتحدة ترتيب أوراقها بدقة فى مناطق متفرقة من العالم رغم تغير وصعوبة الظروف، وتجدد واشنطن الآن تأكيد شراكاتها مع بعض الدول بعد فترة فتور، ولا مانع لدى الولايات المتحدة من الرجوع فى كلامها وتصريحاتها الانفعالية السابقة تجاه مناطق معينة من العالم بهدف كبح جماح الأطراف الأخرى التى تتحرك صوب هذه المناطق.
أوروبا الآن تجرب المعنى الحقيقى للمعاناة بكل أنواعها لا سيما فى هذا الشتاء الأصعب منذ عقود وتشهد أضعف حالاتها على صعيد المشاركة فى القرارات الدولية.
الصين القادمة بقوة تتمدد بذكاء فى مناطق نفوذ الولايات المتحدة، وتطلق مبادرات وتبنى شراكات تجارية لا مثيل لها تريد بها تطويق العالم ولنا فى مبادرة الحزام والطريق أفضل مثال، وتفعل كل ذلك بمتهى الذكاء، فتعلنها صراحة أنها لا تنافس أحدا ولا تحارب أحدا، ولا تتدخل فى شؤون الدول، وأنها لا تزال دولة نامية، وتحافظ على تصريحاتها منضبطة تجاه كل الأطراف فى العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، رغم التطاحن الخفى.
ففى حقيقة الأمر الصين تعمل جاهدة فى الخفاء لتحقيق المقولة التى تروح فى الداخل الصينى وسط قطاعات العلوم والتكنولوجيا، وأيضا بين القادة من الصفوف الثالثة والرابعة، وهى أن القرن الحالى سيكون صينيا بامتياز.
روسيا منذ 10 سنوات تحديدا تحاول أن تنفض عن نفسها تراب أكبر خطأ وقعت فيه الأمة الروسية، مثلما قال بوتين وهو "تفكك الاتحاد السوفيتى والتخلى عن شراكتها فى قيادة العالم"، ولذلك بدأت تستعيد قوتها تدريجيا ولديها طموحات جامحة لإعادة المجد السوفيتى القديم وبأى ثمن وأية طريقة ومهما كانت التضحيات، وتعتبر ذلك حرب وجود فرضت عليها، وليس أدل على ذلك من أزمتها مع أوكرانيا أو بالأحرى أزمتها مع الناتو والغرب وأمريكا تحديدا على الأرض الأوكرانية والتى لا يبدو لها أن تنفرج إلا بحسابات جديدة ربما يكون لها صلة بشكل النظام العالمى الجديد الذى نتحدث عنه.
من زاوية رؤية قريبة من الرؤيتين الصينية والروسية مع اختلاف الأسلوب والطريقة يبدو زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون ماضٍ قدما فى تصعيده وليست لديه أية نية للتهدئة بعدما أمر فى بداية ساعات العام الجديد بتطوير صواريخ باليستية جديدة عابرة للقارات وترسانة نووية أكبر لمواجهة ما أسماه بالتهديدات التى تقودها الولايات المتحدة وسط تصاعد التوترات مع كوريا الجنوبية.
قالها صراحة: "نعلن بحزم عزمنا الرد على السلاح النووى بالسلاح النووى، وعلى أى مواجهة شاملة بمواجهة شاملة مضادة"، وكان قد علق على اجتماع جمع الرئيس الأمريكى جو بايدن، ورئيس وزراء اليابان كيشيدا والرئيس الكورى الجنوبى يون سوك-يول، على هامش قمة بلدان جنوب شرق آسيا فى كمبوديا 2022 قائلا: "لن نتراجع حتى لو انضمت إليهم 3 دول أخرى".
ويحتفظ زعيم كوريا الشمالية بأكبر شراكة مع الصين باعتبارها الحليف التجارى الأهم والأقرب ومن جانب أخر أعادت كوريا الشمالية الود القديم مع روسيا واعترفت بإجراءات بوتين فى أوكرانيا واعتبرتها الأخيرة فى صف الأعداء وقطعت علاقتها بها.
بوتين من جانبه كعربون محبة؛ أسقط ديون كوريا الشمالية فى 2014، وفى العموم يعتبر كيم جونج أون أن أبرز أهدافه أو بالأحرى استراتيجيته للعام الجديد هى إنتاج المزيد من الأسلحة الفتاكة وتطوير منظومته النووية، وهذا قد يدفع المنطقة إلى زيادة الإنفاق على التسليح العسكرى الذى قد يصل إلى سباق نووى، فالدول المجاورة لكوريا الشمالية مثل كوريا الجنوبية، واليابان لا تكفان عن التحذير والصراخ فى وجه العالم من جراء قرارات "كيم" ومجلس الأمن مكبل دائما بالفيتو الروسى والصينى لصالح كوريا الشمالية، مما حال دون تشديد العقوبات التى فرضت على الأخيرة منذ 2006، ومن ثم فليس أمام كوريا الجنوبية واليابان سوى تكثيف التعاون والتدريبات والمناورات الحربية مع الولايات المتحدة.
العرب الآن يحققون تغييرات واضحة فى سياساتهم تجاه القوى الكبرى فى العالم، وربما لم يحدث هذا منذ عقود، فنراهم يطوون صفحات الخلاف ويتحدون ويتصالحون ويفرضون كلمتهم، يأتى إليهم قادة العالم يطلبون الدعم و يعربون عن تجديد الود، وهم يعلون مصلحة دولهم فوق كل اعتبار.
فى تصورى أن شكل العالم خلال السنوات القليلة المقبلة إما أنه يذهب نحو إعادة توازن ببروز نظام عالمى جديد متعدد الأقطاب، حتى ولو حدث هذا تدريجيا لكنه حتما سيستلزم إعادة ضبط المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن الذى اعتبر مكافأة للدول الفائزة فى الحرب العالمية الثانية ليقررون هم فقط مصير العالم باحتكارهم حق الاعتراض "الفيتو" الذى حال دون وقف العديد من الصراعات، ودون ضمان السلم والأمن الدوليين، وهى الوظيفة الرئيسية لمجلس الأمن، فبسبب تعارض المصالح مثلا بإمكان دولة واحدة من الدول الخمس صاحبة "الفيتو" وأد قرار العالم كله مجمع عليه !
السيناريو الآخر قد يكون أسوأ مما نتخيل، فاستمرار التطاحن السياسى والاقتصادى المعلن والخفى قد يأخذ العالم نحو فوضى ستغير كل الأوضاع و تضرب الثوابت، نسأل الله النجاة.