البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
وسط صخب العناوين السياسية فى الصحف العالمية، استوقفنى موضوع الغلاف لمجلة "تايم" الأمريكية، فى عدد نهاية يناير الجارى، بعنوان "التحدث أقل سيجعلك أكثر" والمقصود أكثر إنتاجا، جودة، علما.

كاتب المقال دانيال ليونز، مؤلف كتاب بنفس مضمون المقال المنشور، سيصدر رسميا فى مطلع مارس المقبل، وهو صحفى ومؤلف أمريكى معروف، ضمن الأكثر مبيعا فى قائمة نيويورك تايمز، وكتابه الجديد الذى اقبس منه المقال عنوانه "STFU": The Power of Keeping Your Mouth Shut in an Endlessly Noisy وبالعربية "قوة الحفاظ على فمك مغلقا فى عالم صاخب بلا حدود".

كلمة "STFU" اختصار لجملة "Shut The Fuck up" ومعناها "إخرس" ذكرتنى بمجرد قراءتها بمشهد من المسرحية القديمة الشهيرة "إلا خمسة" للكوميديان المصرى الراحل عادل خيرى، مع الخياطة الفنانة الراحلة هدى زكى، حين استدعاها لتصلح له روب المحاماه، ولم يستطع أن يكمل لها جملة واحدة بسبب كلامها الكثير والسريع دون توقف، ما اضطره أن يغلق فمها بيده ويقول لها بصوت عال: "استنى استنى، ودانك دى مخلوقة ليه، شغليها".

المقال يدعو الناس إلى تجربة الصمت ويعدد فوائده فى مقابل أضرار الكلام الكثير، ويتساءل الكاتب: لماذا أصبح معظمنا من مدمنى الكلام؟ واعتبر نفسه واحدا من هؤلاء ويعترف أن هذا سبب له مشاكل كثيرة فى حياته على الصعيدين الشخصى والعملى، وبأسلوب شيق حكى لقرائه تجربته فى إصلاح نفسه -على حد وصفه- وكيف حاول فهم الصعوبة فى التزام الصمت.

لا أخفييكم سرا، فقد شغلتنى وما زالت فكرة الصمت، وتأملت كثيرا تلك القوة الخفية فى الصمت والجاذبية الكامنة فى هؤلاء الصامتين، الذين قابلتهم فى حياتى إناثا ورجالا، الذين يتحدثون بأعينهم وابتساماتهم وكيف أنهم أشخاص لا يمكن نسيانهم، بعكس هؤلاء الذين يثرثرون فى كل اتجاه، فهم موجودون بوفرة فى كل الأماكن.

وأعترف أننى لم أنجذب إلا لهؤلاء الصامتين، فقد كان وجودهم فى حياتى إيجابيا وأحدث فرقا كبيرا فى بناء تصوراتى للأشخاص، خاصة حال ترافق الصمت مع الابتسامة والإيماء ولغة الجسد، لكن على ما يبدو أن هؤلاء أصبحوا عملة نادرة فى زماننا، قلما نقابلهم، فى حين تنتشر نماذج بشرية أخرى من مدمنى الكلام، فى كل شىء وأى شىء، هؤلاء الذين يرتكبون الحماقة تلو الأخرى، وهم يعلقون على الأحداث من منظور الخبير المتعجرف الذى يعرف كل شىء و"يفتى" فى كل شىء ويقاطع الناس ويفرض رأيه على مواقع التواصل الاجتماعى فى عالم يحكمه "التريند" وأصبح من الصعب العثور فيه على مساحة للصمت.

اعتدنا منذ الصغر أنه يتعين علينا دوما أن نتكلم، ونزاحم للكلام حتى ولو كنا نعرف أن كلامنا لا فائدة فيه، فى الشباب كانت ولا تزال النصيحة الكبرى لأى شاب: إذا أعجبت بشخص"اتكلم اتلحلح، خليك حرك" فالعالم تسوده لغة الصوت العالى وفوضى تحول دون ترتيب الأولويات ودائما يرتبط فى أذهاننا أن الشخص القوى الذى يعبر عن آرائه بجرأة وحرية من دون خوف، هو ذاك الزاعق حد الصراخ، وكأن قوته تأتى من صوته، ولم نفكر ثانية أن أعلى الأصوات ربما يكون أنكرها، ففى عالم الحيوان، على سبيل المثال، الحمار حين ينهق صوته عال، لكن الله عز وجل قال: "إن أنكر الأصوات لصوت الحمير".

يعتقد معظمنا خطأ أن الصمت يعنى العزلة ويرتبط بالوحدة، وفى المقابل الكلام مثل التنفس!! وأنه فقط وسيلة اتصالنا بالآخرين فى حين على سبيل المثال هناك بحث علمى قديم يعود لستينيات القرن الماضى أجراه البروفيسور الأمريكى من أصول إيرانية ألبرت مهرابيان، أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا، يثبت أن الكلمات تنقل 7% فقط من رسائلنا، بينما تحدث بقية الاتصالات بتعبيرات الوجه والإيماءات ولغة الجسد ونغمة الصوت الخفيضة، فإذا كانت غالبية الاتصالات غير لفظية، ألا يعنى هذا بأن الصمت قادر على توفير تواصل جيد؟!

قرأت ذات مرة أن الأصوات التى صدرت عن البشر منذ بدء الخلق، موجودة فى الفراغ حتى بعد رحيل أصحابها وربما يأتى يوم يتم تجميعها من جديد! فطرأت لى فكرتين: الأولى خيالية والثانية مزعجة وخيالية أيضا، أما الأولى فقلت فى عقلى ماذا لو أن العلماء اكتشفوا لنا جهازا يستطيع تدوير هذا الضجيج العالمى المخزون فى الفراغ لينتج شيئا مفيدا؟! بمعنى أن تدخل كل هذه الأصوات فى مفرمة تخرج من الناحية الأخرى شيئا نستخدمه فى حياتنا، لاسيما وأن منظمة الصحة العالمية نشرت مؤخرا إحصائية قريبة تقول أن جزء كبيرا من سكان العالم سيتعرضون لمستويات عالية من الضوضاء، قد تشكل ضررا على صحتهم ومن المتوقع أن يعانى أكثر من 500 مليون شخص من مشاكل السمع بحلول العام 2030، وأما الفكرة المزعجة فقلت ماذا لو أننا استحضرنا الأصوات التى قيلت فى الغرف المغلقة، وكانت إجابتى بجملة يوسف بك وهبى الشهيرة "يال الهول" سنكتشف حتما الأسرار والمؤامرات وسنعرف من قال ماذا فى حق من؟! وإن فى ذلك لصدمات مروعة.

للأسف أصبحنا نعيش فى عالم لا يشجع فقط على كثرة الكلام، لكنه يطالب به عمليا، ففى عصر ثورة الاتصالات يقاس النجاح بمدى الاهتمام الذى يمكننا جذبه عبر الكلام وبالكلام، مثل عدد الذين يتابعونك ويعلقون على كلامك فى مواقع التواصل الاجتماعى، الناس تدون فى تويتر وفيسبوك من أجل الظهور، وتظهر فى فيديوهات مخزية على اليوتيوب، لمجرد أن تلبى شهوة الكلام!!

أصبحنا غارقون فى الوسائط الاجتماعية وتطبيقات الدردشة وخدمات البث، ومعروف أن الاتصال والإعلام يقومان على الكلام حتى أن الشخص الثرثار كان يلقب بـ"بالع راديو" كناية عن أنه مثل الراديو لا يكف عن الإذاعة، الآن مع التطور الذى شهده الإعلام أصبحت هناك جلسات للكلام بالساعات تحت مسمى "توك شو".

أخيرا: هل فكرنا يوما أننا فى حاجة إلى استخدام قوة أخرى يستخدمها الأقوياء هى قوة الصمت؟ هل فكرنا أن ننظر للصمت على أنه تقليل للتوتر وتحفيز للإبداع، وتعزيز للوعى وزيادة للتركيز وضبط للنفس، وفرصة للتأمل الذاتى، الذى ينشط أجزاء متعددة من الدماغ؟ لماذا لا نفكر فى الصمت الذى يجلب الاستمتاع بالاستماع والإنصات، والفهم قبل القفز إلى الاستنتاجات بشكل متسرع؟! هل سيأتى يوم ندرك فيه أن فى غلق الفم قوة؟ إننا نحتاج حقا أن نغلق أفواهنا، فأولئك الذين يحصلون على الكلمة الأخيرة يفوزون، لأنهم فى تصورى عرفوا كيف يظلون صامتين.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز