البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
الأزمات الإنسانية التى تشكل خطرا كبيرا على البشرية مثل الزلزال الذى ضرب تركيا وسورية مؤخرا وخلف آلاف القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى والمصابين فى مأساة إنسانية هزت العالم كله، يفترض أنها تحقق التضامن بين الدول والشعوب، بصرف النظر عن التوجهات السياسية.

هذا التضامن المنشود يدعونا لفهم العلاقة بين السياسة والإنسانية، وهل ثمة أهمية للمشاعر فى العلاقات الدولية، أو بمعنى آخر هل السياسة تعرف الإنسانية، أم صحيح ما يقال أن السياسة قاسية ولا مكان فيها للمشاعر؟

السياسة تحتكم فى المقام الأول للمصلحة وليس للعواطف، وتحتمل المناورة وتحتمل أحيانا أنصاف الحقائق، بينما الإنسانية لا تعرف لغة "النصف نصف" أى إما أن تكون إنسانا أو لا تكون، فالمخلوق الذى نصفه إنسان ونصفه وحش موجود فقط فى خرافات الأساطير القديمة.

السياسة لا تنشغل فى المقام الأول بما يشعر به الناس، وإنما أولويتها فيما يفكر الناس، فالمشاعر مفرداتها الحب والكراهية والقبول والرفض، بينما التفكير مفرداته المصلحة والأهداف المراد تحقيقها، وهذا أيضا يدعم فكرة أن السياسة لا مكان فيها للعواطف وأنها علاقة مصالح وليست علاقة حب.

لكن رغم كل هذا التناقض الظاهرى بين السياسة والإنسانية، إلا أننا لا نستطيع الجزم بشكل قاطع أنه لا مشاعر فى السياسة، فالعلاقة بين السياسة والمشاعر تقع ضمن نظام كونى ضارب فى عمق الوجود البشرى، فالمشاعر رغم كل شىء هى جزء واصل للعلاقات بين الأمم، تأسس للثقة والاحترام المتبادل والعمل المشترك، وحتى المصالح المشتركة بين الدول لها بعدها الإنسانى الذى يتشارك التأثير مع الأبعاد الأخرى السياسية والأيديولوجية، والنظرة إلى السياسة على أنها تمثل فقط الإدارة والأمن والاقتصاد والسيادة والقانون، هى نظرة أيضا نظرة محكومة بأفكار إنسانية مثل التلاحم الوطنى والعاطفة القومية والحياة الكريمة وغيرها من الأساسيات لكل دولة والتى لا تكتمل إلا بمساحات من المشاعر.

فى الحقيقة أن العلاقة بين السياسة والإنسانية - ويشار للأخيرة فى كثير من المواقف بالأخلاق - شهدت جدلا كثيرا على مر الزمان، فأفلاطون مثلا قال: "الأخلاق هى التى تحدد السياسة"، وميكيافيلى قال: "السياسة لا علاقة لها بالأخلاق"، ويقول جيمس برايس، إن السياسة تستمد جذورها من علم النفس الذى يشمل دراسة عادات الإنسان وأفكاره واتجاهاته و مشاعره.

على كل حال الأفكار الأخلاقية تتصل اتصالا مباشرا بأصل الدولة و السياسة فى حاجة دائمة إلى الأخلاق، وهذه مسألة متعلقة بدراسة المشاعر وتسليط الضوء على ظواهر قديمة فى عالم السياسة مثل الدبلوماسية، والتحالفات، والسيادة، والتدخل، والأخلاقيات الدولية، وبناء السلام، والمساعدات الإنسانية.

فى أزمة كوفيد 19 برز مصطلح "أنسنة" العلاقات الدولية، بشكل لافت ويعنى إعلاء البعد الإنسانى فى العلاقات بين الدول وقت الأزمات، والتحرك سريعا وتقديم جهود الإغاثة والدعم، وترك الخلافات السياسية جانبا أو على الأقل عدم التفكير فيها، ولحين تجاوز الكارثة أتصور أن الزلزال الذى ضرب تركيا وسوريا، وشعر به الملايين فى دول تحيط بهما، واحدة من تلك الكوارث التى تحتاج "لأنسنة" العلاقات الدولية لأن الكوارث الطبيعية التى تضرب الدول لا تختلف عن الأزمات العميقة التى تواجه الأفراد، فهى تبرز فى تجل واضح أنبل ما فى الإنسان كما تظهر أيضا أسوأ ما فيه.

كانت مصر من أول الدول التى سارعت بتقديم يد العون والمساعدة لسورية وتركيا، دون التفكير فى أى حساب للسياسة وإنما على أساس إنسانى صرف وهى هكذا تفعل فى أى موقف مماثل بغض النظر عن البلد المتضرر أو جنس ولون وعرق البشر المتضررين.

تلك المواقف وإن حسبت على السياسة فهى إنسانية بامتياز تعكس سلوك قادة هذه الدول وشعوبها، وهذا أيضا يؤكد ما ذكرناه عن استحالة غياب الإنسانية بشكل تام عن السياسة.

فى عالم يموج بالتحولات والتهديدات والتحديات تواجه البشر خلال السنوات الأخيرة، فما لبس العالم يستفيق من أزمة كوفيد، وإن بقيت تهديداتها قائمة، حتى تصاعد الحديث عن خطر التغيرات المناخية التى تنعكس فى صورة فيضانات وحرائق وجفاف، تلقى بظلالها على اقتصادات الدول، والآن خلف الزلازل آلاف القتلى ولا يعلم أحد هل من جديد قادم على نفس الشاكلة من المخاطر أم لا؟ فلا أحد يستطيع أن يجزم بأن كارثة طبيعية ستحدث هنا أو هناك، والأمر يبقى مجرد توقع، كل هذا يستدعى عملا جماعيا يتجاوز الصراعات السياسية، باعتبارها إخطارات جماعية تتطلب تضامنا، حتى يتسنى للدول مواجهة تلك التهديدات الوجودية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز