البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
فى عضون عشر سنوات دشِّنت منصات إعلامية خبيثة توجه سهامها المسمومة للدولة المصرية عبر ماكينة شائعات، تدور ليل نهار، مستهدفة الداخل المصرى بغرض التشكيك فى الروايات الرسمية للدولة وتزييف الواقع، وتشويه الإنجازات على الأرض، وشغل الرأى العام بأكاذيب قد تعتمد على أرباع وأنصاف الحقائق، أو تُخلق من العدم فى كثير من الأحيان.

اللافت أن هذه الحروب الدعائية الخبيثة لها رجالها من صُنَّاع وطبَّاخى الكذب، ووراؤها تمويل كبير لزوم التقنيات الحديثة.

فى عصر الاجتياح الرقمى وتعدد وسائل الاتصال، لم تعد الدول فى حاجة للحروب التقليدية، طالما يمكن غزو أى بلد إعلاميًا باستخدام التكتولوجيا الحديثة، عبر حرب مستحدثة قوامها الأفكار الخبيثة، والمعلومات المغلوطة، والصور المفبركة ومقاطع الفيديو المزيفة، فى محاولة لتشكيل آراء الناس بالتضليل، وتوجيه سلوكهم نحو هدف سياسى معين، وبواسطة وسائل الإعلام الإلكترونية بات من السهل إعادة برمجة وعى الجماهير وخلق منظومات جديدة للقيم.

قبل يومين نشرت إحدى المنصات على الإنترنت منشورا منسوبا لسيدة تم تداوله من حسابات شخصية بشكل موسع على مواقع التواصل الاجتماعى بشأن تصفية أحد المصانع الكبرى وخروجه من السوق المصرية، ما أثار استياء كثيرين باعتبار الأمر تضييقاً على المستثمرين، قالت السيدة فى المنشور: اليوم خرج آخر مسمار من المصنع واليوم آخر يوم شغل لينا فى مصر كمصنع محلى يصنع ماكينات التعبئة والتغليف بكل أنواعها التى تستوردها مصر من الصين وأمريكا وتركيا وإيطاليا وخلال 8 سنوات كنا نصدر إلى عدة دول مثل السودان وليبيا وجنوب إفريقيا وخلال الـ8 سنوات لم تساعدنا الدولة بـ أى شىء بالعكس "ضرائب وجمارك وقرف ما بعده قرف"، ولكننا ذهبنا للاستثمار فى السعودية وسنحصل على 50% من القوى العاملة التى كانت معنا للاستثمار فى دولة تشجع الصناعة المحلية بشكل حقيقى.

أى مواطن مصرى محب لبلده وغيور عليه، عندما يقرأ هذا الكلام بالطبع سينزعج ويغضب وسيتساءل: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ولماذا تفعل الدولة هكذا مع المستثمرين؟ وأين الحديث الذى نسمعه عن تشجيع الصناعات المحلية؟، والحقيقة كلها أسئلة مشروعة، ولكن مشروعيتها مقرونة بصحة المنشور.

نظرا لأهمية وخطورة ما ورد فى المنشور، فقد تحركت أجهزة الدولة المصرية لتقصى الحقائق والتأكد من الواقعة، من جانبه، أكد مجلس الوزراء المصرى اهتمامه وتفاعله المستمر مع ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعى، وأوضح أن المنشور المتداول لم تتوافر أى بيانات بشأن صحته، حيث لم يتضمن ذكر أى بيانات تخص المصنع المذكور، أو صاحبه، أو ماهية إنتاجه، وأشار المجلس عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك"، إلى أن هناك وحدة لحل مشكلات المستثمرين فى مجلس الوزراء، يشرف عليها رئيس مجلس الوزراء، وتضم فى عضويتها مسؤولى الوزارات المختلفة والجهات الرقابية، وتمكنت الوحدة حتى الآن من حل ما يزيد على 80% من المشكلات التى وردت إليها، وأضاف المجلس: "أى مستثمر لديه مشكلة عليه التقدم فوراً بمذكرة لهذه الوحدة، للعمل على حلها، وذلك فى ضوء اهتمام الدولة بحل مشكلات المستثمرين، وتقديم التيسيرات المطلوبة، مناشداً المواطنين المصريين توخى الحذر وعدم نشر أى معلومات غير موثقة، هدفها الإضرار بمناخ الاستثمار فى مصر، وناشدت الحكومة وسائل الإعلام المختلفة ومرتادي مواقع التواصل الاجتماعى، ضرورة توخى الدقة قبل نشر مثل هذه الشائعات، التى تؤدى إلى بلبلة الرأى العام.

فى ظل الترويج المكثف للمنشور الذى لا يعرف له صاحب سوى السيدة التى نشرته، خرجت غرفة الصناعات الهندسية ببيان قاطع، قالت فيه إنها بحثت جيدا ولم ترصد أى شكاوى وردت فى شأن كهذا من مستثمرين، وكان فصل الخطاب عندما أكدت غرفة الصناعات الهندسية أنه بالبحث الدقيق تبين أنه لا يوجد مصنع مسجل من الأساس بهذه المواصفات، وأكدت الغرفة أنه حتى لو هناك مصنع بهذه المواصفات فسيكون غير مسجل، ولا يعرف بأمره أحد.

هانى يونس، المستشار الإعلامى بـ مجلس الوزراء، كتب عبر صفحته الشخصية بموقع "فيسبوك": "رصدنا أن البوست الأصلى بهذا الشأن قد تم حذفة، ثم جاء شخص آخر لينشر مثل هذا الكلام ومع ذلك نؤكد على ما طلبناه بالتواصل مع وحدة حل المشكلات للمستثمرين التى يشرف عليها رئيس الوزراء".

فى هذا المنشور كلمتان سر، الأولى فى "سيدة المصنع"، أو السيدة التى نشرته وتدعى ميرال السيد والتى خرجت فى منشور ثان بعد إثارتها لكل هذه الضجة، لتقول إنها نقلت القصة على صفحتها كما وردتها وأنها ليست صاحبة القصة، وفى أمر يثير الضحك طالبت بالتحلى بالمهنية والدقة الصحفية لأن الهدف كما تقول تحسين البيئة الاستثمارية!!، لكن سيدة المصنع التى تقول، بعد أن أشعلت النار، إن القصة ليست قصتها استخدمت فى منشورها الأول "نا" الفاعلين قائلة: (النهاردة آخر يوم "لينا" كشغل فى مصر)، ولم تقل آخر يوم لصاحب القصة، ولو أنها تتحرى الدقة التى تطالب بها الآخرين فلماذا روجت لقصة لقيطة؟!

أما كلمة السر الثانية فى هذه القصة اللقيطة فهى المنصة التى روجت لهذا المنشور وتدعى "مزيد"، وعندما تحاول التعرف أكثر على هذه المنصة ستقابلك مجموعة من التعريفات الأقرب إلى الشعارات من عينة "بهوية مصرية" تتوافق مع نبض الشارع انطلقنا نواكب الأحداث أينما كانت، "ننحاز لرأى الناس وقضايا الشارع"، "المصداقية والموضوعية شعارنا"، لكن يبدو واضحا أن الكلام شىء والفعل شىء آخر، فالمنصة التى تزعم أن المصداقية والموضوعية شعارها، نشرت قصة من العدم لتحدث حالة من الجدل داخل الشارع المصرى بهدف زعزعة الثقة فى الحكومة والتشويش على ما يتم فى البلد من إنجازات ومشروعات فى ظل ظروف اقتصادية صعبة على الجميع.

بمنتهى الدقة والموضوعية الحقيقية، ليست تلك التى ترفعها المنصة كشعار للمتاجرة، أستطيع القول إن هذه المنصة مغرضة وليست سليمة النية.

لا شك أننا فى هذا التوقيت فى حاجة ماسة لكشف هكذا مؤامرات من إعلام خبيث يطلق هكذا شائعات، على أن يتم ذلك بحرفية ومهنية تفسد الطبخة الكاذبة التى يطبخها أهل الشر فى غرفهم المغلقة، ثم يطلقونها للناس عبر الفضاء الإلكترونى، على شكل شائعة ومع التطورات التكنولوجية السريعة وأجهزة الهواتف الذكية التى أصبحت فى متناول الجميع، ومع سهولة استخدامها من قبل الأفراد كبيرهم وصغيرهم، تنتشر الشائعات للأسف دون تدقيق أو تمحيص، ودونما رقابة أو مراعاة لأى معايير وأهمها معيار الحقيقة ومعيار الأخلاق.

التصدى للشائعات التى تستهدف النيل من الأوطان هو بلا شك عمل وطنى، فما أحوجنا أن نوعى المتلقى بحقيقة من ينشر له لاسيما حينما تنطلق الشائعات فى ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة، وأقولها بصدق سننتصر فى هذه الحرب عندما يكتسب المتلقى خبرة يستطيع بها الحكم على ما ينشر أو يعرض له ويفرق بين الكذب والصدق، ومن المهم أيضا أن نستخدم إعلامنا الوطنى فى التصدى للشائعات بنفس الأدوات التى استخدمت فى صنع وإطلاق الشائعة، وأقصد نفس التكنولوجيا من تسجيلات وصور وفيديوهات، لنكشف أكاذيب الخصم لدى الرأى، وهذا أمر ضرورى وواجب، ولا ينبغى أن نتجاهله ونقول إنها أكاذيب لا تستحق الرد، فمع الأسف بعض الأكاذيب تجد من يصدقها ويتعامل معها على أنها حقائق.

فى الأخير وبشأن القصة التى تم ترويجها والمصنع المجهول الذى غادر السوق المصرية!! تبين أنه لا يوجد مصنع من الأساس وأن القصة برمتها لقيطة، وسيدة المصنع قالت: "مش قصتى".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز