البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
السؤال الذى يشغل الأمريكان الآن، هو كيف تسرب إلى الإنترنت فى هذا التوقيت تحديدا العشرات من الوثائق التى تتضمن أسرار الأمن القومى الأمريكى؟ كيف ضجت منصات التواصل الاجتماعى ‬وبعض ‬الصحف‭ ‬ووكالات‭ ‬الأنباء‭ ‬الأمريكية‭ ‬مثل ‬‮‬‮"واشنطن‭ ‬بوست" و"‬نيويورك‭ ‬تايمز"‬‭ ‬ ‬‭ ‬وشبكة‭" ‬‬سى‭ ‬إن‭ ‬إن‮"‬‭‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ بوثائق أمريكية وصفت بالسرية حول الصين والمسرح العسكرى فى المحيطين الهندى والهادئ، والشرق الأوسط، والإرهاب؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

ليست هذه المرة الأولى، التى تخرج فيها تسريبات لوثائق سرية أمريكية، لكن يبدو أن التسريبات هذه المرة وإن كانت أقل شمولا مما تم تسريبه فى الماضى، لكنها أخطر مما سبقها، ففى 2013 سرب موقع "ويكيليكس" الذى أنشأه جوليان أسانج مجموعة كبيرة الوثائق السرية شملت ما يزيد على 700 ألف وثيقة ومقطع فيديو وبرقيات دبلوماسية من وزارة الخارجية الأمريكية، تضمنت معلومات "حساسة"، وكشفت كيف كانت واشنطن وقتها تنتظر انهيار كوريا الشمالية، وتتعامل مع ملف إيران النووى، وبعدها بسنوات كشف إدوارد سنودن المتعاقد التقنى السابق بوكالة الأمن القومى الأمريكية، عن أسرار تخص الوكالة، واتهمته واشنطن بالتجسس لصالح روسيا التى منحته حق الإقامة لديها.

خطورة الوثائق المسربة مؤخرا، فى رأيى تكمن فى طابعها العسكرى لا الدبلوماسى، وكونها تغطى جميع طرق جمع المعلومات الاستخباراتية وتسلط الضوء على مدى عمق اختراق البنتاجون لأجهزة المخابرات الروسية، وتتحدث فى جانب كبير منها عن الحرب الدائرة حاليا، فى أوكرانيا، أما فيما يخص التوقيت فهى تأتى فى وقت شديد الحرج للولايات المتحدة، كونه متعلق بدور الاستخبارات الأمريكية فى الحرب الدائرة بأوكرانيا، وفى وقت يرتب فيه الحزبين الكبيرين داخل أمريكا للوافد الجديد للبيت الأبيض فى 2024، وهل سيعاد انتخاب بايدن؟ أم سيعود دونالد ترامب للمشهد؟

ظهرت الوثائق السرية لأول مرة الشهر الماضى على عبر منصات "ديسكورد" و"تشان4" و"تلجرام" و"تويتر" تحمل تفاصيل غير عادية تكشف الوجه الآخر لأمريكا "شرطى العالم" وتطرح السؤال: كيف تتجسس الولايات المتحدة على أصدقائها وأعدائها على حد السواء؟! فهى لا تتجسس على روسيا فقط، بل على حلفائها أيضا، ونشر مثل هذا التنصت على الملأ يعيق دائما العلاقات مع الشركاء الرئيسيين، مثل كوريا الجنوبية، التى تحتاج أمريكا منها المساعدة لتزويد أوكرانيا بالأسلحة، وهذا بلاشك سيتسبب فى تعقيد علاقات الولايات المتحدة مع الحلفاء والأعداء، فمن ناحية سيثير الشكوك حول قدرة واشنطن على الحفاظ على أسرارها، بعدما فشلت فى الحفاظ على سرية الوثائق لمدة شهر، ولهذا تداعياته السلبية على العلاقات الدبلوماسية، ومن ناحية أخرى ستزيد المشهد تعقيدا مع الخصوم وتحديدا روسيا، ومن ورائها -على استحياء- الصين.

نحن بلا شك أمام اختراق معلوماتى خطير له تداعياته وأتصور أنه لن يتوقف عند هذا الحد، وسيشكل كابوسا للدول الخمس التى تتشارك المعلومات الاستخباراتية، وأقصد بها أمريكا وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا وكندا.

سلسلة الملخصات والإحاطات المفصلة التى وردت فى التسريبات تفتح بابا خطيرا حول الأعمال الداخلية للتجسس الأمريكى، فتكشف الأماكن التى جندت فيها CIA عملاء مطلعين على المحادثات التى تجرى خلف الأبواب المغلقة لقادة العالم، كما تكشف كيف تتجسس الولايات المتحدة على كبار القادة السياسيين والعسكريين فى أوكرانيا، وتكشف أيضا عن عملية تنصت تظهر محاولة مرتزقة روس الحصول على أسلحة من أحد حلفاء الناتو لاستخدامها ضد أوكرانيا، وصور الأقمار الاصطناعية التى تستخدمها الولايات المتحدة لتعقب القوات الروسية، من خلال تكنولوجيا متقدمة وغير شائعة.

نتحدث عن قرابة الـ100 وثيقة حتى الآن، ويبدو أنها خرجت جزئيا من البنتاجون واحتوى بعضها على تقديرات للخسائر فى ساحة المعركة من أوكرانيا، فعلى سبيل المثال هناك 5 وثائق جديدة نشرت على منصة تليجرام، يقال إنها تظهر مواقع دفاع جوى أوكرانية، وأرقام معدات قتالية، وخريطة تظهر حالة القتال العنيف الجارى حاليا فى باخموت شرقى أوكرانيا وخرائط لمواقع القتال فى خاركيف وجنوب أوكرانيا، وهناك وثيقة بتاريخ 23 فبراير تحمل علامة "سرى"، تشرح بالتفصيل كيف سيتم استنفاد أنظمة الدفاع الجوى الأوكرانية إس-300 بحلول الثانى من مايو وفقا لمعدل استخدامها الحالى، وليس خافيا ما لمعلومة كهذه من أهمية للقوات الروسية، وما يمكن أن تربكه فى حسابات أوكرانيا لدرجة أن الرئيس الأوكرانى وكبار مسؤوليه الأمنيين اجتمعوا لمناقشة سبل منع تلك التسريبات، لكن طبعا دون جدوى "فكل شىء انكشف وبان".

وتتضمن وثيقة أخرى، تحمل ختم "سرى للغاية" مأخوذة من إفادة للمخابرات المركزية الأمريكية "CIA" بتاريخ الأول من مارس أن الموساد الإسرائيلى دعم الاحتجاجات المناهضة لخطط رئيس الوزراء الإسرائيلى، نتنياهو، لإحكام السيطرة على المحكمة العليا، وإن الولايات المتحدة علمت بالأمر عبر إشارات مخابراتية، ومعلومة كهذه أيضا لها تأثيرها على التفاهمات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، مما اضطر نتنياهو إلى إصدار بيان عبر مكتبه يقول إن الوثيقة "كاذبة ولا أساس لها على الإطلاق".

بينما عرضت وثيقة أخرى أشارت نيويورك تايمز، إلى أنها استندت لإشارات استخباراتية، أو بالأحرى ناتج تجسس الولايات المتحدة لى على مسؤولين كوريين جنوبيين تنشر تفاصيل متعلقة بمناقشات خاصة بالضغط الأمريكى على كوريا الجنوبية للمساعدة فى إمداد أوكرانيا بالأسلحة.

وبحسب نيويورك تايمز أيضا فإن كوريا الجنوبية كانت قد وافقت على بيع قذائف مدفعية لمساعدة الولايات المتحدة على تجديد مخزونها من الأسلحة بشرط أن يقتصر استخدامها على الجيش الأمريكى، لكن كبار المسؤولين فى كوريا الجنوبية الذين جسست ليهم أمريكا انتابهم القلق من أن يذهب السلاح إلى أوكرانيا، وهذا بالطبع سيخلق توترا فى الوقت الذى يستعد فيه رئيس كوريا الجنوبية فى وقت لاحق من هذا الشهر لزيارة هى الأولى لرئيس كورى جنوبى منذ 12 عاما إلى واشنطن، لإجراء محادثات مع الرئيس الأمريكى جو بايدن، وكانت كوريا الجنوبية قد أبرمت صفقات كبيرة مع بولندا عضو الناتو لتزويدها بمئات الدبابات والطائرات والأسلحة الأخرى منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية، وقال الرئيس يون سوك يول إن القانون الكورى الجنوبى، يحظر إمداد السلاح للدول المتورطة فى نزاعات، لذلك من الصعب إرسال أسلحة إلى أوكرانيا، وفى هذا الشأن أيضا قال مسؤول بالقصر الرئاسى فى كوريا الجنوبية، إن سول علمت بأمر الوثائق المسربة وتعتزم مناقشة الولايات المتحدة فى القضايا التى أثارتها.

من جانبه أحال البيت الأبيض المسألة برمتها إلى البنتاجون، الذى أكد أنها قيد الدراسة ولم يتطرق إلى مضمون الوثائق، ومن بينها مراقبة الحلفاء، وأحالها رسميا إلى وزارة العدل للتحقيق فيها.

تذهب أقرب التكهنات نحو أن الوثائق تم تسريبها من الداخل الأمريكى وليس من الحلفاء، على اعتبار أن الوثائق كان بحوزة الولايات المتحدة فقط، ويبحث المحققون الأمريكان حاليا احتمال أن يكون الشخص الذى نشر الوثائق أحد الموظفين الساخطين على الوضع أو أحد المسؤولين فى الداخل استهدف الاضرار بالأمن القومى الأمريكى، فيما قال مسؤولون أمريكيون إن التحقيق فى مراحله الأولى ولا يستبعد أن تكون روسيا وراء التسريب.

على ما يبدو أنها حرب معلومات قد اندلعت وغير معروف متى وإلى أين ستنتهى؟ فكشف هذه الوثائق كان مجرد بداية وضربة مؤلمة يمكن أن تحد من تبادل المعلومات الاستخباراتية، وسيصاحبها تزعزع ثقة الوكالات الاستخباراتية المختلفة التى تقوم بتوفير المواد لبعضها البعض، حيث لا يبدو أن هناك ما سيضمن مستقبلا بقاء بعض المعلومات الحساسة سرية.

لو سألتنى عن رأيى سأقول أن رد الفعل الأمريكى حول التسريبات يشير إلى صحتها، ويجعلنا نرجح أنها ليست من صنع موسكو، لكنها على أى حال ستؤثر على مسرح العمليات فى أوكرانيا على صعيد التخطيط للقادم وإعادة ترتيب الأهداف كما سيترتب عليها بلاشك إلحاق ضرر حقيقى فى الجانب الأوكرانى، فبعد الكشف مثلا عن الوكالات الروسية التى وردت فى الوثائق، ستقطع روسيا مصدر المعلومات القادم إلى أوكرانيا والناتو، وستعدل روسيا خططها وتضبط مواعيد الهجوم القادم لاسيما فى باخموت التى ينظر الداخل الروسى سقوطها ويعتبرها معركة طال وقت حسمها.

أخيرا.. القادم أخطر، ومن المتوقع الكشف عن وثائق أخرى، ربما ليست فقط من أمريكا، حرب المعلومات اشتعلت، وفى الأخير من يملك المعلومة سينتصر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز